قدم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، وفدين من بني عامر، على رسول الله ﷺ بالمدينة، وكان عامر قد قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعلُه بالسيف.
فلما قدما على رسول الله ﷺ قال عامر: يا محمد، خالِني. قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له». فجعل عامر يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئًا.
وجرى بينهما الحوار: قال عامر: ما لي إن أسلمت؟ قال: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء». قال: أفتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر؟ قال: «لا، ولكن أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها». قال: أوليس ذلك إليَّ اليوم؟
وهذا قريب مما رواه أنس رضي الله عنه في الصحيح: أن رئيس المشركين عامر بن الطفيل عرض على النبي ﷺ ثلاث خصال: أن يكون له أهل السهل ولعامر أهل المدر، أو أن يكون خليفته من بعده، أو أن يغزوه بأهل غطفان بألف وألف.
فلما أبى عليه رسول الله ﷺ قال عامر: أما والله لأملأنّها عليك خيلًا ورجالًا. فلما ولّى قال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل».
فلما خرجوا قال عامر لأربد: أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدًا. قال أربد: لا أبا لك، لا تعجل علي، والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلتَ بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟
وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، أغدّةً كغدّة البعير وموتًا في بيت سلولية! وهذا ما رواه أنس رضي الله عنه في الصحيح من قول عامر حين طُعن: غدّةٌ كغدّة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه.
وخرج أربد بن قيس بعد ذلك ومعه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وذكر أهل التفسير أن قوله تعالى: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ نزل في ذلك. فكفى الله نبيه ﷺ شرّ الرجلين، وكان ذلك إجابةً لدعائه: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل».
