لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر، كان الحجاج بن علاط السلمي رضي الله عنه يملك مالًا بمكة متفرقًا في التجار، وله بها أهل. فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حِلٍّ إن أنا نِلتُ منك وقلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء.
فأتى مكة، فوجد بثَنِيَّة البيضاء رجالًا من قريش يتجسَّسون الأخبار ويسألون من مرَّ بهم عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا ومنعة ورجالًا. فلما رأوه قالوا: عند الحجاج والله الخبر. فقال: أخبروني عن الخبر، فإنه قد بلغني أن محمدًا قد افتتح خيبر. قالوا: أجل. فقال: عندي الخبر الذي يسرُّكم. فأحاطوا به يقولون: إيه يا حجاج. قال: هُزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقُتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله، وأُسر محمد، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم.
فقام الناس بمكة وصاحوا: أتاكم الخبر، هذا محمد إنما تنتظرون أن يُقدَم به عليكم فيُقتل بين أظهركم. قال الحجاج: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فإني أريد أن أقدَم خيبر فأصيب من فلِّ محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هناك. فقاموا فجمعوا له ماله كأحثِّ جمع سمع به.
وجاء الخبر إلى العباس رضي الله عنه فعظم عليه، فأقبل حتى وقف إلى جنب الحجاج فقال: يا حجاج، ما هذا الذي جئت به؟ قال: هل عندك حفظ لسرٍّ؟ قال: نعم. قال: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلوة، فإني في جمع مالي. فلما فرغ من جمع ماله كله لقي العباس فقال: احفظ عني يا أبا الفضل ما أقول لك فإني أخشى الطلب. فقال: نعم. قال: فإن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه، وإنما جئت لمال كان لي هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن أقول ما شئت، فأخفِ عني ثلاثًا ثم اذكر ما بدا لك. ثم انطلق بماله.
فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك. قال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقًا. قال: فإني صادق، والأمر على ما أخبرتك.
ثم ذهب إلى مجالس قريش وهم يقولون إذا مرَّ بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. فقال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء هاهنا ثم يذهب.
فردَّ الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ممن كان مكتئبًا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسُرَّ المسلمون، وردَّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين.
