روى أحمد وابن إسحاق عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا. فلما وجّهنا لسفرنا قال البراء: «يا هؤلاء، إني قد رأيتُ والله رأيًا، فوالله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ إني قد رأيتُ ألا أدع هذه البنية مني بظهر، وأن أصلي إليها». فقلنا: «والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام». فصلّى إلى الكعبة، وصلّينا نحن إلى الشام. فلما قدمنا مكة سألنا عن رسول الله ﷺ، ثم لقيناه ﷺ، وواعدنا للعقبة في أوسط أيام التشريق. قال كعب: وكنا نكتم من معنا من مشركي قومنا أمرنا، فكلمنا عبد الله بن عمرو بن حرام، أبا جابر، وكان سيدًا من ساداتنا، فقلنا له: «يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وإنا لا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا». ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا. قال: فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو أم منيع. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلسنا كان أول متكلم العباس فقال: «يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد خروجه إليكم، فمن الآن فدعوه». قال كعب: فقلنا: «قد سمعنا ما قلتَ، فتكلّم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت». فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: «نعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحَلْقة، ورثناها كابرًا عن كابر». فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها، فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟». فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم». ثم قال رسول الله ﷺ: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم». فأخرجوا اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: «يا أهل الجباجب، هل لكم في مُذمَّم والصُّباة معه، قد اجتمعوا على حربكم؟». فقال رسول الله ﷺ: «هذا أَزَبُّ العقبة، هذا ابن أُزَيب، اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغنّ لك». ثم قال: «ارجعوا إلى رحالكم». فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: «والذي بعثك بالحق، إن شئتَ لنميلنّ على أهل منى غدًا بأسيافنا». فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم». فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا حتى أصبحنا.
‹ السيرة النبوية
السيرة النبويةموثّق
بيعة العقبة الثانية: بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدم
كعب بن مالك
العبرة
البيعة قامت على الصدق والتضحية والاستعداد للفداء، ومن صدق الله في عهده كان النصر معه.
المصدر: مسند أحمد، حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في بيعة العقبة؛ سيرة ابن هشام، بيعة العقبة الثانية
الدرجة: ثابت — رواه أحمد وابن حبان من حديث كعب بن مالك، وهو في سيرة ابن هشام
