يتابع سلمان رضي الله عنه قصته فيقول: كنتُ أعمل لسيدي في نخله بالمدينة، وبعث الله رسوله ﷺ في مكة فلم يُذكر لي شيء من أمره لما أنا فيه من الرق. فلما هاجر ﷺ إلى قباء، وأنا في رأس نخلة لسيدي أعمل فيها، جاءه ابن عم له فقال: قاتل الله بني قَيْلة، والله إنهم لفي قباء مجتمعين على رجل قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي. فلما سمعتُها أخذتني العُرَواء، أي رعدة، حتى ظننتُ أني سأسقط على سيدي. فنزلتُ فقلتُ: ما تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك. فلما أمسيتُ أخذتُ شيئًا كان عندي من تمر، ثم ذهبتُ به إلى رسول الله ﷺ بقباء فقلتُ: إنه بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. فقرّبتُه إليه، فقال لأصحابه: كلوا. وأمسك يده فلم يأكل. فقلتُ في نفسي: هذه واحدة. ثم انصرفتُ فجمعتُ شيئًا، وتحوّل رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجئتُه فقلتُ: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا. فقلتُ: هاتان اثنتان. ثم جئتُ رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد، قد تبع جنازة، وعليه شملتان، فسلّمتُ عليه، ثم استدرتُ أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي. فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرتُه عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُه، فأكببتُ عليه أقبّله وأبكي. فقال لي رسول الله ﷺ: تحوّل. فتحوّلتُ فحدّثتُه حديثي. ثم قال لي: كاتِب يا سلمان. فكاتبتُ صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير، وأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أعينوا أخاكم. فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين. ثم قال لي: يا سلمان، فقّر لها، فإذا فرغتَ فأتني أكن أنا أضعها بيدي. ففقّرتُ لها، وجاءه ﷺ فجعلنا نقرّب إليه الودي ويضعه بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأدّيتُ النخل، وبقي عليّ المال، فأُتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ فدُعيتُ له، فقال: خذ هذه فأدّها مما عليك يا سلمان. فقلتُ: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليّ؟ قال: خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك. فأخذتُها فوزنتُ لهم منها أربعين أوقية، فأوفيتُهم حقهم وعُتقتُ. وبعد أن عُتق سلمان رضي الله عنه شهد مع رسول الله ﷺ الخندق، وكان أول مشاهده، وشهد معه بعد ذلك المشاهد، وكان الرق قد شغله عن بدر وأحد.
‹ كبار الصحابة والسابقون
كبار الصحابة والسابقونموثّق
سلمان بين العلامات الثلاث والعتق بالغرس
سلمان الفارسي رضي الله عنه
العبرة
اليقين يدفع صاحبه إلى التحقق من العلامات، وبركة النبي ﷺ تيسّر ما يعسر على الناس.
المصدر: مسند أحمد، حديث سلمان الفارسي؛ وسيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق، حديث سلمان)
الدرجة: حسن — رواه أحمد وابن إسحاق
