Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الحسن البصري (1): من بيت أم سلمة إلى حلقة البصرة

الحسن البصري رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو الحسن؟

هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، أحد أكبر علماء التابعين وخطبائهم وزهّادهم. ذكر ابن سعد في «الطبقات الكبرى» والذهبي في «سير أعلام النبلاء» أنه وُلد في المدينة المنورة في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي نحو سنة إحدى وعشرين للهجرة. وكان أبوه يسار مولًى، قيل إنه مولى لزيد بن ثابت رضي الله عنه، وكانت أمه خيرة مولاة لأم سلمة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ. وهذه المعلومات في النسب والولاء مما اتفقت عليه كتب التراجم في جملته، وإن اختلفت في بعض التفاصيل.

طفولة في بيوت النبوة

ولأن أمه كانت تخدم في بيت أم سلمة، فقد نشأ الحسن صغيرًا في تلك البيئة التي كانت مقصد الصحابة والصحابيات. وتذكر بعض كتب التراجم أخبارًا عجيبة عن رعاية أم سلمة له وهو رضيع، وتذكر أن أمه كانت تنشغل بحاجة لأم سلمة فيبكي فتشغله أم سلمة بما يسكّته. وهذا النوع من الأخبار لا يثبت بإسناد يُعتمد عليه، فلا نذكر تفاصيله ولا نبني عليه شيئًا، ويكفينا أن نقول إنه نشأ في المدينة قريبًا من بيوت أمهات المؤمنين ومن أجواء الصحابة، وهذا ثابت في الجملة. ورُوي أن عمر رضي الله عنه دعا له بأن يفقّهه الله في الدين ويحببه إلى الناس، ولا يُجزم بصحة إسناد هذا الدعاء، لكن المعنى الذي تضمنه تحقق في سيرته: فقد صار فقيه البصرة، وأحبه الناس حتى اجتمعوا على جنازته.

الانتقال إلى البصرة

ثم انتقل الحسن إلى البصرة، وهي المدينة التي ستنسب إليه فيُقال له «البصري». واختلفت الروايات في وقت انتقاله واستقراره بها، والذي لا خلاف فيه أنه عاش فيها معظم حياته، وأن البصرة كانت يومئذ مدينة عامرة بالصحابة والتابعين وطلاب العلم، وفيها مسجدها الجامع الذي صارت فيه حلقة الحسن من أشهر حلقات العلم في الإسلام. وذكرت المصادر أنه كتب في خراسان لأحد الولاة في بعض غزواتها، ثم عاد وتفرغ للعلم والوعظ.

علمه عن الصحابة

روى الحسن عن عدد من الصحابة، منهم أنس بن مالك وسمرة بن جندب وعمران بن حصين وأبو بكرة رضي الله عنهم، وأدرك غيرهم. وهنا ينبغي التدقيق، فقد اختلف أهل الحديث في سماعه من بعض من روى عنهم: فصحّ سماعه من سمرة بن جندب في حديث العقيقة، وأثبته البخاري في «صحيحه» في كتاب العقيقة، أما روايته عن غير من سمع منهم فيحكم عليها بحسب نظر النقاد في كل حديث. وقد اشتهر أن «مراسيل الحسن»، أي ما يرويه عن النبي ﷺ مباشرة بإسقاط الصحابي، لا يُحتج بها كلها؛ لأنه كان ربما رواها عن غير ثقة، وقد عدّه بعض الأئمة موصوفًا بالتدليس في بعض أحاديثه، أي أنه ربما أوهم السماع حيث لم يسمع. وفي المقابل قال بعض الأئمة، ومنهم علي بن المديني فيما نُقل عنه، إن مراسيله إذا رواها عنه الثقات فأكثرها صحيح. وهذا الخلاف مشهور في علوم الحديث، ومن الأمانة العلمية ذكره حتى لا يُظن أن كل ما رُوي عن الحسن عن النبي ﷺ بإرسال حجة.

حلقة جمعت العلم والوعظ

كان الحسن يجلس في مسجد البصرة فيجتمع إليه الناس يسألونه عن التفسير والحديث والفقه، ويسمعون منه المواعظ التي ترقّق القلوب. وخرج من مدرسته عدد كبير من العلماء والزهاد والقراء، ونقلت عنه كتب التفسير كثيرًا من الأقوال في معاني القرآن، ومنها ما يذكره ابن كثير والطبري في تفسيريهما منسوبًا إلى الحسن. وكان من أهل البصرة في زمانه أيضًا ابن سيرين، وكان بينهما تقارب في الزمان والمكان، وقد اشتهر في كتب التراجم أن ابن سيرين توفي بعد الحسن بنحو مئة يوم، وهذا من الأخبار المشهورة المتداولة بين أهل التراجم.

تدبر القرآن عنده

من أشهر ما يُروى عنه في مقام القرآن كلام في وصف من يقرأ القرآن ولا يتدبره. فقد رُوي عنه أنه قال في بعض مجالسه إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وهي من سورة ص، وما تدبّر آياته إلا اتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. وهذا المعنى مما رُوي عنه في كتب الزهد والحلية، وإسناده يحتاج إلى تحقيق، لكن معناه صحيح تشهد له الآية التي ذكرها وتفسيرها عند المفسرين، فإن ابن كثير ذكر في تفسير هذه الآية أن المقصود من إنزال القرآن أن يتدبره الناس ويتذكروا به.

وفاته

توفي الحسن البصري في شهر رجب سنة عشر ومئة للهجرة بالبصرة، وقد قارب التسعين من عمره. وذكر المؤرخون أن أهل البصرة خرجوا في جنازته خروجًا كبيرًا حتى قيل إن صلاة العصر لم تُقم في المسجد ذلك اليوم لانشغال الناس بتشييعه، ولا نستطيع الجزم بصحة هذا التفصيل، لكنه مشهور في كتب التراجم ويدل في الجملة على مكانته عند أهل بلده.

تنبيه على الدرجة

ثبتت في هذه السيرة وفاته في البصرة سنة عشر ومئة ونشأته في المدينة ومكانته العلمية، وهي من المشهورات التي لا ينازع فيها. أما أخبار رعاية أم سلمة له وهو رضيع، ودعاء عمر له، وخروج الناس في جنازته على نحو ما وُصف، فهي أخبار مشهورة في كتب الطبقات والسير ولم نقف لها على أسانيد صحيحة، فذكرناها بصيغة التمريض أو أشرنا إلى عدم ثبوتها. وأما كلامه في القرآن فهو من أقواله المأثورة في كتب الزهد، ومعناه موافق للقرآن.

العبرة

العلم الصحيح يقوم على التثبّت في الرواية وعلى العمل بما يُعلم، وتدبّر القرآن هو اتباعه لا مجرد حفظ حروفه.

المصدر: الطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة الحسن)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ صحيح البخاري (كتاب العقيقة، سماع الحسن من سمرة)؛ تفسير ابن كثير (سورة ص)؛ حلية الأولياء لأبي نعيم

الدرجة: سيرة مشهورة ثابتة في جملتها (النسب والولاء والنشأة والوفاة وسماعه من بعض الصحابة)؛ وتفاصيل رعاية أم سلمة له رضيعًا ودعاء عمر وصفة جنازته أخبار مشهورة بلا أسانيد صحيحة وقد نبّه عليها في النص؛ والخلاف في مراسيله وتدليسه مذكور بأمانة.