واعظ البصرة
اشتهر الحسن البصري بين العلماء بأنه واعظ بليغ الأثر، يخاطب القلوب قبل العقول. وكان كلامه في الدنيا والآخرة والموت والمحاسبة من أكثر ما نُقل عنه، وجمعه أبو نعيم في «حلية الأولياء» وابن أبي الدنيا وغيرهما. ومن الأمانة أن نقول: إن كثيرًا من هذه الأقوال رُويت بأسانيد في كتب الزهد لم تُنقد كلها نقد الحديث النبوي، فنذكرها منسوبة إليه بصيغة «رُوي عنه»، وهي في الغالب معانٍ صحيحة موافقة لما جاء في القرآن والسنة، وليست هي نفسها سنة تُحتج بها.
ابن آدم إنما أنت أيام
من أشهر ما نُقل عنه قوله فيما رُوي: «ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك». ويُروى أنه كان يعظ بها الناس تذكيرًا بأن العمر مجموعة أيام، وأن كل يوم يمضي ينقص من عمر الإنسان. وهذا المعنى له أصل في القرآن، كقوله تعالى عن أهل النار: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ وهي من سورة فاطر، وقد فسّرها ابن كثير وغيره بأن الله أمهل الناس عمرًا كافيًا للتذكر. ومن أقواله المروية أيضًا: «ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت»، أي أن الناس موقنون بالموت ثم يعيشون كأنهم في شك منه.
حسن الظن مع حسن العمل
ورُوي عنه في معنى الرجاء قوله: «إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل». وهذا الكلام يتناقله العلماء كابن القيم في كتبه، وهو في معناه موافق لما جاء في الحديث الصحيح أن الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وأن العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. وحقيقة الرجاء أن يقترن بالعمل، وإلا كان غرورًا لا رجاء.
رسالته في الإمام العادل
ويذكر كثير من الكتب أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن يسأله أن يصف له الإمام العادل، فكتب إليه كتابًا بليغًا جاء فيه أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم. وهذه الرسالة مشهورة في كتب الأدب والتاريخ والوعظ، ولا يمكن الجزم بصحة إسنادها ولا بكل ألفاظها، فهي من المشهور المتداول الذي ينبغي أن يُنقل بتحفظ. وإن كانت معانيها تتفق مع ما ثبت في الصحيحين من أن الإمام العادل أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
موقفه من فتنة ابن الأشعث
وفي سنة إحدى وثمانين للهجرة وما بعدها خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج بن يوسف الثقفي، والتحق به عدد كبير من القراء والفقهاء من أهل البصرة والكوفة. وذكر ابن سعد وغيره أن الحسن البصري كان ممن نهى عن الخروج. ورُوي عنه أنه قال في تعليل ذلك ما معناه: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، وما جاؤوا بيوم خير قط. ورُوي عنه كذلك أن الحجاج عقوبة من الله فلا تدفعوا عقوبة الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع. هذه الأقوال مشهورة عنه في كتب السير، وإن كان طريق كل لفظ منها محتاجًا إلى تحقيق.
وقد وافق نهيه ما صحّ في السنة من الأمر بالصبر على جور الأمراء ولزوم الجماعة، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية. ومع ذلك فالمسألة لها تفصيل عند الفقهاء، وقد خالف جماعة من التابعين الحسنَ في الخروج مع ابن الأشعث، ولا نقول إنهم كانوا فسقة، وإنما كانوا مجتهدين اختلفوا في الموقف؛ ثم انتهى الأمر بهزيمة ابن الأشعث وقتل كثير ممن خرج معه، وكان هذا مما يستدل به من نصح بالصبر على أن الخروج جلب مفاسد أكبر.
بين النصح والحذر
وكان الحسن مع نصحه الناس بالصبر لا يداهن الولاة في الحق، فقد رُوي له مواعظ في أمر الولاة وأمر الدنيا، ويذكر الناس أخبارًا عن مواجهته للحجاج، منها ما يرويه أبو نعيم في «الحلية» وغيره، ومنها قصة معروفة في إنكاره على الحجاج بناءه. وهذه الأخبار في المواجهة لم نقف لها على إسناد صحيح، وفي بعضها مبالغة وحبكة قصصية ظاهرة، فلا نسوق منها شيئًا على أنه ثابت، وننبه إلى أن الثابت في الجملة أنه كان صاحب نصح وتذكير لا صاحب خروج بالسيف.
ما يُستفاد
يُستفاد من هذا الموقف أن الإصلاح عند العلماء الربانيين لا يعني دائمًا المواجهة بالسلاح، وأن للصبر والدعاء والنصح بالحكمة موضعًا عظيمًا حين يخشى أن يؤدي الخروج إلى دماء أكثر. كما يُستفاد أن العالم يقول رأيه ويبين حجته ثم يترك لغيره أن يجتهد، فلا يتهم المخالفين ولا يتبرأ منهم.
تنبيه على الدرجة
ثبت في الجملة أن الحسن البصري لم يخرج مع ابن الأشعث ونهى عن الخروج، ونُقل عنه كلام كثير في الصبر. أما ألفاظ كلماته المنسوبة إليه فهي مروية في كتب الزهد والسير بأسانيد لم نحققها، فنقلناها بصيغة «رُوي عنه». ورسالته إلى عمر بن عبد العزيز مشهورة ولم نقف على إسناد صحيح لها. وأخبار مواجهته للحجاج بتفاصيلها القصصية لا تثبت، وقد أعرضنا عن سوقها.
