من الفقهاء السبعة
هو أبو أيوب سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى لميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأخوه عطاء بن يسار من علماء المدينة أيضًا. وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على القول المشهور، وهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار. وقد جمعهم بعض العلماء في بيتين شعريين مشهورين، وليس الغرض هنا ذكرهما، وإنما التنبيه إلى أن هذا العدد مشهور عند أهل العلم وإن وقع الخلاف في بعض الأعيان. وتوفي سليمان في حدود سنة سبع ومئة، وقيل سنة مئة أو ما قاربها. وروى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم، وأخرج له الجماعة.
الرجل الذي هرب
ومن أشهر ما يُروى في ترجمته خبر عفته، وقد أورده الذهبي وابن عساكر وغيرهما. وخلاصته أنه كان يحج مع رفقة، فنزلوا مكانًا، فذهب رفيقه إلى السوق لحاجة وبقي سليمان وحده في الخباء، فجاءته امرأة جميلة من الأعراب تدعوه إلى نفسها، وقيل إنها طلبت منه شيئًا فكشفت عن وجهها، فلما رأى ما رأى من الفتنة بكى، وجعل يبكي وهي تعجب، حتى رجع صاحبه فوجده يبكي فسأله، فقال سليمان: ذكرت يوسف عليه السلام وما لقي من امرأة العزيز. وفي بعض الروايات أنه رأى يوسف عليه السلام في منامه، فبشره. هذه القصة مشهورة، ولكن لا نعلم لها إسنادًا ثابتًا، وفيها تفاصيل تختلف بين الروايات، ومنها المنام الذي لا يُبنى عليه حكم، فنذكرها على سبيل الحكاية فقط.
وأصل المعنى ثابت في القرآن، فقد قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ من سورة يوسف. وفسّر ابن كثير الآية بأن يوسف عليه السلام استعاذ بالله وتذكر نعمة سيده عليه وامتنع عن الفاحشة. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله». فهذا هو الأصل الصحيح الثابت، وتكون الحكاية المنسوبة إلى سليمان تطبيقًا له إن صحت.
مولى ميمونة وزواجها
وبحكم كون سليمان مولى لميمونة رضي الله عنها كان من أعلم الناس بخبر زواجها بالنبي ﷺ. وقد روى الترمذي وغيره عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما. وجاء في صحيح مسلم عن ميمونة نفسها ما يوافق ذلك. ورُوي في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، فرجّح أكثر العلماء رواية أبي رافع وميمونة لأنها أعلم بحالها، وتأوّلوا رواية ابن عباس، والمسألة مبسوطة في شروح الحديث وكتب الفقه. وفي صحيح مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه: «لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب». ونذكر هذا المثال لنوضح قيمة قرب الراوي من الحدث.
صبيغ بن عسل
ومما يرتبط باسم سليمان بن يسار ما رواه الدارمي وغيره من خبر صبيغ بن عسل، وهو رجل قدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر فسأله وضربه وأمر بنفيه. وقد رُوي هذا الخبر من عدة طرق، ورواية سليمان بن يسار فيه ليست متصلة بعمر، لأنه وُلد بعد خلافته، فهي مرسلة، ولذلك قال العلماء في بعض طرقه إن فيها انقطاعًا، وحسّنه بعضهم لتعدد الطرق. والعبرة في هذا الخبر، إن صح، تحذير من تتبع المتشابه ابتغاء الفتنة، وقد ورد في سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ تلا هذه الآية ثم قال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وليس معنى ذلك النهي عن السؤال عن معاني القرآن، فالسؤال للتعلم مشروع، وإنما المذموم السؤال للفتنة والجدال. ولا نجزم بتفاصيل عقوبة صبيغ ومدة نفيه لأنها مختلفة في الروايات.
عفة وعلم
وكانت مكانة سليمان بن يسار في الفتوى عالية، فكان الخلفاء والولاة يستفتون فقهاء المدينة. وقد ورد في كتب الفقه عن سليمان مسائل كثيرة، وفي «الموطأ» روايات عنه في الطهارة والصلاة والحج والنكاح والطلاق. ولأن العفة والعلم يجتمعان في مثله كان الناس يثقون به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ من سورة النور، وهو أصل في الاستعفاف.
وفاته
توفي سليمان بن يسار بالمدينة، وقيل سنة سبع ومئة، وقيل غير ذلك. ولم يترك كتابًا مدونًا، وإنما حُفظ علمه في تلاميذه الذين رووا عنه ونقلوه إلى كتب الفقه والحديث. وكان من العلماء الذين حفظ الله بهم هدي النبي ﷺ في المدينة.
تنبيه على الدرجة
ثبت في الجملة أنه من الفقهاء السبعة وأنه مولى ميمونة ومن الثقات المخرج لهم في الكتب الستة. وخبر هروبه من المرأة الأعرابية ورؤيته يوسف عليه السلام في المنام مشهور بلا إسناد ثابت فذُكر حكاية مع نصوص القرآن والحديث الصحيح. وقصة صبيغ بن عسل مروية من طرق مرسلة، وحسّنه بعضهم. وسنة وفاته وعدد الفقهاء السبعة مختلف في بعضها.
