Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

مكحول الشامي: العبد الذي طاف الأمصار حتى حاز علمها

مكحول الشامي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو مكحول؟

هو أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الشامي الدمشقي، من كبار فقهاء التابعين في الشام. كان من أصل غير عربي، وذكر أصحاب التراجم أنه من سبي كابل أو من بلاد المشرق، وكان مولى لامرأة من هذيل ثم أعتقته. وتوفي بدمشق في حدود سنة ثلاث عشرة ومئة، وقيل غير ذلك، والخلاف في سنة وفاته من الأمور غير المحررة. قال عنه الذهبي إنه كان أحد علماء الشام وفقيههم، وإنه لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، كأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

رحلته في طلب العلم

وأشهر ما يروى في ترجمته ما ذكره الذهبي في «السير» وغيره من أصحاب التراجم من قول مكحول: كنت عبدًا بمصر لامرأة من هذيل فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت المدينة فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل فلم أجد من يخبرني فيه بشيء، حتى أتيت شيخًا يقال له زياد بن جارية التميمي، فقلت له: هل سمعت في النفل شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النبي ﷺ نفّل الربع في البداءة، ونفّل الثلث في الرجعة. وحديث حبيب بن مسلمة في النفل رواه أبو داود وابن ماجه في الجهاد، وحسّنه بعض أهل العلم، أما حكاية رحلة مكحول بتمامها فلم نحقق مخرجها وإسنادها، فلا ننسب إليها صحة قاطعة، لكنها مشهورة في ترجمته.

ما هو النفل؟

والنفل في الجهاد: ما يزيده الإمام لبعض الجيش على سهمه من الغنيمة ترغيبًا في القتال وتشجيعًا، كأن يجعل لسرية سبقت الجيش ربع الغنيمة أو لمن رجع منها ثلثها. وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ من سورة الأنفال في أول السورة، وقد فسّره ابن كثير بسبب نزول الآية في غنائم بدر حين اختلف المسلمون في قسمتها، فرد الله الأمر إلى رسوله ﷺ، فقسمها بينهم بالسواء. وتتمة الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أي أن المسلمين مأمورون بالتقوى وإصلاح ذات البين عند الاختلاف في المال. ومكحول كان يسأل عن هذه المسألة الفقهية العملية ويتتبع الروايات فيها.

وفي هذه الرحلة صورة لمنهج السلف في طلب العلم: السؤال المتواصل، والسفر الطويل بين الأمصار، واليقين بأن مسألة واحدة قد لا يعرف جوابها إلا واحد من الناس. وقد صح في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة». وعلّق البخاري في كتاب العلم أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد.

العلم يرفع الموالي

وقصة مكحول، وهو عبد معتق من سبي المشرق صار فقيه الشام، من الأمثلة على ما أحدثه الإسلام من رفع أهل العلم والتقوى بغض النظر عن النسب. وقد ثبت في صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعسفان وكان عمر استعمله على مكة، فسأله: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ من سورة المجادلة، وفسّره ابن كثير برفع المؤمنين وأهل العلم درجات في الدنيا والآخرة.

مكانته وانتقادات النقاد

وكان لمكحول مكانة علمية كبيرة في الشام، ويعتبر من أركان الفتوى في دمشق. لكن ذكر النقاد أنه كان يروي بالإرسال ويدلس أحيانًا، أي يروي عمن لم يسمع منه، وأنه كان يُرمى بالقدر، وقيل إنه رجع عنه، وهذه أمور يذكرها الأئمة كالذهبي. ولذلك قيّد العلماء قبول حديثه بتصريحه بالسماع. ولا يقدح هذا في فقهه وجلالة قدره، فإن النقد في الرواية شيء والاحتجاج بالفقه شيء آخر، وإن كان النقاد لا يغفلون عن أقواله. ومن الأمانة أن نذكر ذلك حتى لا يُظن أن كل ما يروى عن العلماء مقبول بلا نظر.

إنفاقه ووفاته

وتذكر بعض كتب التراجم أن مكحولًا كان قليل المال، وأنه عاش في دمشق، وفيها توفي ودفن. وليس لدينا أخبار موثقة عن أيامه الأخيرة، فنكتفي بما ذكرناه من أنه توفي في حدود سنة ثلاث عشرة ومئة. ويُروى عنه من المواعظ ما لا نحرره، لكنه يجب أن نعرف أن جلالة العلماء لا تُعرف بعدد الأخبار المنقولة عنهم، بل بما ثبت منها.

تنبيه على الدرجة

ثبت في الجملة أن مكحولًا من فقهاء الشام الكبار، وأنه كان مولى معتقًا، وأن له رحلة في العلم. وحديث حبيب بن مسلمة في النفل رواه أبو داود وحسّنه بعضهم، وحكاية رحلته بتمامها مشهورة في ترجمته ولم نحقق إسنادها. وأصله من كابل وسنة وفاته مختلف فيهما. وانتقاد الأئمة له بالإرسال والتدليس ورميه بالقدر مذكور، فيحتاج حديثه إلى النظر في التصريح بالسماع.

العبرة

طلب العلم يحتاج رحلة وصبرًا وسؤالًا، والنقد العلمي للرواة من حفظ الدين.

المصدر: سنن أبي داود (كتاب الجهاد، باب في النفل، حديث حبيب بن مسلمة من رواية مكحول)؛ سير أعلام النبلاء؛ صحيح مسلم (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا)؛ صحيح البخاري (كتاب العلم، رحلة جابر إلى عبد الله بن أنيس معلقة)؛ سورة الأنفال والمجادلة؛ تفسير ابن كثير؛ صحيح مسلم (حديث إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، في قصة عمر وابن أبزى)

الدرجة: مكانة مكحول الفقهية وكونه مولى معتقًا ثابتة في الجملة؛ وخبر رحلته في أبي داود مشهور في إسناده كلام وحسّنه بعضهم؛ وأصله من كابل وسنة وفاته مختلف فيهما؛ وما ذكره النقاد من إرساله وتدليسه ورميه بالقدر مذكور بأمانة.