إشارات الوداع
بعد أن أتمّ النبي ﷺ حجة الوداع وعاد إلى المدينة، تتابعت إشارات تدل على قرب الأجل. فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي ﷺ القرآن كل سنة مرة، فعارضه في العام الذي قُبض فيه مرتين، وأنه اعتكف في ذلك العام عشرين يومًا بعد أن كان يعتكف عشرة. وقال ﷺ في حجته كما في صحيح مسلم: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحجّ بعد حجتي هذه».
ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدخله مع أشياخ بدر، فاستنكر بعضهم ذلك، فسألهم عمر عن قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فذكروا الحمد والاستغفار، ثم سأل ابن عباس فقال: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وهكذا فهم الصحابة أن السورة نعيٌ لأجل النبي ﷺ، وأن إتمام الرسالة وانتصار الدين علامة على اقتراب الرحيل.
الخروج إلى البقيع
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج في آخر الليل إلى البقيع، وهو مقبرة أهل المدينة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي مويهبة رضي الله عنه، مولى رسول الله ﷺ، أن النبي ﷺ أيقظه في جوف الليل وقال: إني قد أُمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي. وفيها أنه خُيّر بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وبين لقاء ربه والجنة فاختار لقاء ربه. وهذه الرواية في إسنادها مقال عند بعض أهل العلم، لكن معناها ثابت في الصحيح في خطبته الآتية، فلا يتوقف عليها المعنى.
الصداع والحمى
ثم بدأ المرض. قالت عائشة رضي الله عنها كما في البخاري: رجع النبي ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أقول: وارأساه، فقال: «بل أنا وارأساه». ثم اشتدّ به الوجع، وكان ﷺ يدور على نسائه بحسب القَسْم، حتى استأذنهن أن يُمرَّض في بيت عائشة فأذنّ له. وخرج ﷺ بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض، أحدهما العباس عمّه، وأما الآخر فقد قال ابن عباس إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإن عائشة لم تسمِّه لما في نفسها من الحرج، كما في البخاري.
وكان وجعه شديدًا. روى البخاري ومسلم أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دخل عليه وهو يوعك فمسّه، فقال: يا رسول الله إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم». قال: ذلك أن لك أجرين؟ قال: «أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفّر الله بها سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها». فكان المرض عنده ﷺ رفعةً وتكفيرًا، وفيه تسلية لكل مبتلى.
سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن
ومن أخبار هذا الأسبوع ما روته عائشة في البخاري أنه قال لما ثقل: «هريقوا عليّ من سبع قِرَب لم تُحلَل أوكيتهنّ، لعلي أعهد إلى الناس». فأُجلس في مِخضَب لحفصة رضي الله عنها، وطفقوا يصبّون عليه من تلك القرب حتى أشار إليهم أن قد فعلتنّ. ثم خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم.
الخطبة الأخيرة
وفي هذه الأيام خطب ﷺ خطبًا قصارًا عظيمة الأثر. فروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه خطب الناس وقال: «إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله». فبكى أبو بكر رضي الله عنه. قال أبو سعيد: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به. ثم قال ﷺ: «إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته، لا يبقينّ في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر».
وروى مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنه لما نزل به الموت طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: يحذّر ما صنعوا. فكان آخر ما حرص عليه ﷺ أن يحمي التوحيد من أن يُخدش بتعظيم القبور.
يوم الخميس: ائتوني بكتاب
وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حُضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ: «هلمّ أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده». فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرّبوا يكتب لكم، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال ﷺ: «قوموا». وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
ويحسن هنا أن نذكر فهم العلماء لهذه الحادثة. فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وغيره من الشراح: إن عمر رضي الله عنه رأى أن النبي ﷺ في شدة الوجع، فخفّف عنه، واطمأن إلى كفاية القرآن، وقد نزلت قبل ذلك ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. ومما يدل على أن الأمر لم يكن فرضًا لازمًا أن النبي ﷺ عاش بعد ذلك أيامًا ولم يكتبه ولم يعد إلى طلبه، ولو كان واجبًا التبليغ لما تركه. وثبت في مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنه قال في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فبيّن ﷺ أن الأمر مستقر لأبي بكر دون كتاب.
وصايا الأيام الأخيرة
وروى البخاري عن ابن عباس أنه أوصى يوم الخميس بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». قال الراوي سعيد بن جبير: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها. وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه أن آخر ما أوصى به: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». وكان ﷺ قد أمّر أسامة بن زيد رضي الله عنهما على جيش إلى الشام، فطعن بعض الناس في إمارته لحداثة سنّه، فقال ﷺ كما في البخاري: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ».
الصلاة بالناس
ولما حضرت الصلاة وهو مريض قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء. فأعاد الأمر ثلاثًا ثم قال: «إنكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس». وهذا الحديث في الصحيحين. وفهم الصحابة منه، كما قال عمر بعد ذلك، أن من رضيه رسول الله ﷺ لديننا ارتضيناه لدنيانا.
وقد بلغ ذلك الأسبوع أن يتحول بيت عائشة، ذلك البيت الصغير الملاصق للمسجد، إلى المكان الذي ستُختم فيه سيرة أعظم الناس ﷺ. وسيأتي في القصة التالية تفصيل يوم الاثنين، يوم رحيله.
