Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

ضحى الاثنين: وفاة النبي ﷺ وكلمة أبي بكر التي ردّت الناس

النبي محمد ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما

فجر الاثنين

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر رضي الله عنه يصلّي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسّم يضحك. فنكص أبو بكر على عقبيه ليصِلَ الصفّ، وظنّ أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة. قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده: «أتمّوا صلاتكم»، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. قال أنس: فتوفي من يومه ذلك.

كانت تلك النظرة آخر ما رآه الصحابة من وجهه الكريم ﷺ. وقد ظنّوا بالله خيرًا لما رأوه مستبشرًا، فتفرّق بعضهم إلى شؤونه، وخرج أبو بكر إلى أهله بالسُّنح، وهي عوالي المدينة، كما في رواية البخاري عن عائشة.

آخر لحظات في حجرة عائشة

روت عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري ما جرى في الحجرة. قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: «إنه لم يُقبض نبيّ قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخيّر». فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غُشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى». فقلتُ: إذن لا يختارنا. وعرفتُ أنه حديثه الذي كان يحدّثنا وهو صحيح. قالت: فكانت آخر كلمة تكلّم بها: «اللهم الرفيق الأعلى». وفي رواية أنها سمعته في مرضه وهو صحيح ببحّة في صوته يقول: ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾.

وروت أيضًا أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل عليها وبيده سواك رطب، فنظر إليه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى صدرها، فعرفت أنه يحبّه فأخذته فمضغته ثم طيّبته ونفضته ودفعته إليه، فاستنّ به كأحسن ما رأيتُه مستنًّا. وكان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قُبض ومالت يده. وقالت عائشة: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سَحري ونَحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته.

أما موعد الوفاة فهو يوم الاثنين من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة باتفاق، وعمره ﷺ ثلاث وستون سنة على الأصح الثابت في الصحيحين من حديث عائشة وأنس. وأما كونه الثاني عشر من الشهر، وهو المشهور على الألسنة، فقد وقع فيه كلام لأهل التاريخ والحساب، ولا يُبنى عليه شيء من العقائد ولا الأحكام.

الصدمة

لما شاع الخبر وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الناس. وفي البخاري عن عائشة: ثم جاء أبو بكر من السنح على فرسه فنزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مسجّى ببُرد حِبَرة، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد متّها.

ثم خرج أبو بكر وعمر يكلّم الناس، فقال: على رِسلك يا عمر، أنصت. فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إلى أبي بكر وتركوا عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت». وتلا قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾، وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وروى البخاري عن سعيد بن المسيب أن عمر قال: فوالله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها فعُقرتُ حتى ما تُقلّني رجلاي، وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمتُ أن النبي ﷺ قد مات.

وفي هذا الموقف يظهر ثبات الصديق رضي الله عنه الذي أراد الله أن يكون به ثبات الأمة. ولا يُعاب عمر على ما قال، فقد كان ذلك من شدة الحب والدهشة، وسرعان ما رجع إلى الحق. وقد فهم العلماء من ذلك أن الصدمة قد تُذهل أعقل الناس، وأن العلم المحفوظ في الصدر ينفع عند الشدة.

ماذا ترك ﷺ؟

أخرج البخاري عن عمرو بن الحارث، أخي جويرية أم المؤمنين، قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة. وروت عائشة في الصحيحين أنه توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. وقالت أيضًا: توفي رسول الله ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفٍّ لي. وهذه الأخبار مع ما ثبت عن عائشة أن آل محمد لم يشبعوا من خبز البُرّ ثلاثة أيام تباعًا حتى قُبض، تبيّن أن الدنيا فُتحت على المسلمين في عهده وهو أزهد الناس فيها.

بكاء أم أيمن

وروى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ. قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. ففي هذا الخبر أن أعظم ما فُقد بموته ﷺ هو الوحي، وأن بكاء الحزن على الأحباب لا ينافي الإيمان والرضا.

حقيقة الموقف

وكان في هذه الساعات أن تقرّر معنى عظيم: أن الدين لا يقوم بشخص، وأن محمدًا ﷺ بشر رسول مات كما مات الأنبياء قبله، وأن الأمة مطالبة بأن تحمل الأمانة بعده. وقد عدّ أهل العلم هذا الموقف من أجلّ مواقف الصديق رضي الله عنه.

العبرة

العبرة: أن الدين قائم بالله الحي الذي لا يموت لا بالأشخاص، وأن الثبات في الشدائد يكون بالعلم بالقرآن. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته؛ كتاب فضائل الصحابة؛ كتاب الصلاة؛ كتاب الوصايا؛ صحيح مسلم: كتاب الصلاة وكتاب فضائل الصحابة؛ آيات: آل عمران وسورة الزمر؛ البداية والنهاية لابن كثير.

الدرجة: ثابت في صحيح البخاري ومسلم؛ وتحديد اليوم من الشهر مختلف فيه وقد نُبّه عليه.