Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أسرى الرجيع في مكة: زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي

خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهما

عشرة عيون

في صفر من السنة الرابعة للهجرة، بعد أحد، بعث رسول الله ﷺ سرية صغيرة إلى مكة. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب. وفي الرواية أنهم عشرة، وفي سيرة ابن إسحاق أنهم ستة، والمعتمد ما في الصحيح، ومعنى «عينًا» أنهم جواسيس يأتون بخبر قريش.

بنو لحيان

فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذُكروا لحيٍّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان. فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رامٍ، فاقتصّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب. فتبعوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدفَد، أي رابية، وأحاط بهم القوم.

فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألّا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمة كافر. اللهم أخبر عنا نبيّك. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة. ونزل إليهم ثلاثة رجال على العهد والميثاق، هم خبيب الأنصاري وزيد بن الدثنة ورجل آخر.

فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة، يريد القتلى. فجرّروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه. وسار القوم بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر.

حماية جسد عاصم

وأما عاصم فقد روى البخاري أنه كان قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، فبعث الله مثل الظُّلة من الدَّبْر، أي سحابة من النحل أو الزنابير، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئًا. وذُكر في السيرة أن عاصمًا كان قد عاهد الله ألّا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركًا، وأن عمر رضي الله عنه قال لما بلغه الخبر: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألّا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع في حياته. وهذه الزيادة من رواية ابن إسحاق وليست في الصحيح، فنذكرها على أنها من أخبار السير.

خبيب في بيت الحارث

اشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث عندهم أسيرًا. روى البخاري عن عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث حدّثته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحدّ بها للقتل، فأعارته. قالت: فغفلتُ عن صبيّ لي فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيتُه فزعتُ فزعة عرفها خبيب وفي يده الموسى. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنتُ لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيتُ أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدتُه يومًا يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا.

فهذا من كرامات الله لعبده في أسره، ومن أخلاق المؤمن أنه لا يغدر ولا يقتل الأبرياء ولو كان في أشد الحاجة إلى الانتقام.

الركعتان

فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِلّ، قال لهم خبيب: دعوني أصلّي ركعتين. فتركوه، فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدتُ. فكان خبيب أول من سنّ الركعتين عند القتل، كما قال البخاري. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تُبقِ منهم أحدًا. ثم أنشد:

ولستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزَّع

فقام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله. ويقول البخاري: وكان خبيب هو سنّ لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة. وأخبر النبي ﷺ أصحابه بخبرهم يوم أصيبوا.

زيد بن الدثنة

أما زيد بن الدثنة فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قُتل ببدر، كما ذكر ابن إسحاق. وروى أن أبا سفيان بن حرب قال له حين قُدّم ليُقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحبّ أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيتُ من الناس أحدًا يحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمد محمدًا. وهذه الرواية في السيرة النبوية لابن هشام عن ابن إسحاق، وليست في الصحيحين، فنذكرها على أنها من أخبار السير الحسنة المشهورة.

قراءة في الحدث

يبين هذا الحدث أن الإسلام قام على التضحية وحبّ الرسول ﷺ حبًّا لا يسبقه حبّ، كما قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». وهو يبين كذلك ما وقع من غدر القبائل بالمسلمين، فقد استخدم المشركون العهد والميثاق وسيلة للخداع، وهو ما دفع عاصمًا إلى أن يقول: لا أنزل في ذمة كافر.

ويستفاد من الحديث فقهًا: جواز أن يقاتل المسلم حتى يُقتل ولا يستأسر، وجواز أن يستأسر إن شاء، قال ابن حجر: وكلاهما جائز، وعاصم اختار العزيمة وخبيب اختار الرخصة. وفيه إثبات كرامات الأولياء، وفيه أن أسرى المسلمين عند الكفار يجب السعي في فكاكهم.

العبرة

العبرة: أن المؤمن يثبت على دينه وحب نبيه ﷺ في الأسر والقتل، وأن الغدر من أخلاق الأعداء لا من أخلاق المسلمين، وأن الركعتين عند الموت زاد الصالحين.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة؛ كتاب الجهاد والسير (باب هل يستأسر الرجل)؛ سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق؛ فتح الباري.

الدرجة: قصة الرجيع وخبيب والركعتان والدبر في صحيح البخاري؛ وحديث زيد وأبي سفيان وقول عمر في عاصم من السيرة (ابن إسحاق) وليسا في الصحيح، وقد نُبّه على ذلك.