بين الوفاة والدفن
بعد وفاة النبي ﷺ يوم الاثنين انشغل المسلمون بما نزل بهم وبأمر الخلافة، وهو الذي جرى في سقيفة بني ساعدة، فتأخر الدفن إلى ليلة الأربعاء. قالت عائشة رضي الله عنها كما في مسند الإمام أحمد: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء. وهو إسناد حسن. فبقي جسده الشريف ﷺ يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء مسجّى في بيت عائشة.
وقد ذكر بعض العلماء في هذا التأخير أن المسلمين اشتغل المسلمون بأهم المصالح وهي ألا تفترق الكلمة ويقع الشقاق، فقدّموا اجتماع الأمة على إمام يخلف النبي ﷺ ثم عادوا للتجهيز. ولم يُنقل أن جسده الشريف ﷺ تغيّر. وقد فصّلنا ذلك في قصة السقيفة.
الغسل
وردت في كيفية الغسل رواية عن عائشة رضي الله عنها في سنن أبي داود ومسند أحمد، وإسنادها حسن. قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرّد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره. ثم كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه. فقاموا إليه فغسلوه وعليه قميصه، يصبّون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
وأما من تولى غسله فقد ذكر أهل السير وأصحاب السنن أنه علي بن أبي طالب والعباس عمّه وابناه الفضل وقُثَم، وأسامة بن زيد وشُقران مولى رسول الله ﷺ، وكان العباس وفضل وقثم يقلّبونه، وأسامة وشقران يصبّان الماء، وعلي يغسله. وذُكر أن أوس بن خولي الأنصاري ناشد عليًّا أن يشهدوا معهم، فأذن له. وهذه التفاصيل مأخوذة من رواية ابن إسحاق وفي بعضها مقال، لكن اشتراك أهل بيته في غسله مما لا خلاف فيه.
وروى ابن ماجه عن علي رضي الله عنه أنه قال: غسّلتُ النبي ﷺ فجعلتُ أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيّبًا حيًّا وميتًا. وفي هذا الخبر مقال عند بعض أهل الحديث، فهو مما يُذكر في الفضائل ولا تُبنى عليه الأحكام.
الكفن
أما الكفن فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرسُف، ليس فيها قميص ولا عمامة. وهذا يدل على أن السنة في كفن الرجل ثلاث لفائف، وأن القميص الذي غسل فيه نُزع عنه عند التكفين. وقد أنكرت عائشة على من زعم أنه كُفن في حُلّة يمانية، وقالت إنما أُتي بحُلّة فلم يكفنوه فيها، كما جاء في الصحيح.
الصلاة عليه
وردت في صفة الصلاة عليه ﷺ رواية في سنن ابن ماجه عن ابن عباس أنهم دخلوا عليه أرسالًا، أي جماعة بعد جماعة، فصلّوا عليه أفرادًا بلا إمام، الرجال ثم النساء ثم الصبيان. وفي إسناد هذه الرواية ضعف، غير أن كثيرًا من أهل العلم ذكروها في السير وقالوا إنها وقعت لعظم المقام، فأراد كل واحد أن يصلّي عليه ﷺ مباشرة، وأنهم لم يقدّموا إمامًا لأنه إمامهم حيًّا وميتًا. وهو قول لا يقوم عليه دليل قاطع، فالأَولى أن يُذكر على أنه مروي لا مجزوم به.
أين يُدفن؟
اختلف الصحابة في موضع دفنه ﷺ، فقال بعضهم في مسجده، وقال آخرون بالبقيع. فجاء أبو بكر رضي الله عنه فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحبّ أن يُدفن فيه». رواه الترمذي وفي إسناده ضعف، وصححه بعض العلماء بشواهده. فحُفر له تحت الفراش الذي توفي عليه، في حجرة عائشة.
اللحد والشق
وكان في المدينة رجلان يحفران القبور، أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يضرح كأهل مكة، أي يحفر شقًّا في وسط القبر، وأبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه يلحد، أي يحفر في جانب القبر. فقال العباس: اللهم خِر لرسولك، وأرسل إليهما، فجاء أبو طلحة أولًا فلحد له. رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه وإسناده حسن.
ويؤيّد أن قبره ﷺ لحد ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: ألحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ. فهذه سنة ثابتة في الصحيح.
من نزل القبر
نزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وقُثم وشقران رضي الله عنهم. وروى مسلم عن ابن عباس أنه جُعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء. وذكر ابن إسحاق أن شقران هو الذي وضعها، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. وأما ما يُذكر عن بعض من حضر من أنه أُلقي خاتمه في القبر فنزل ليأخذه، فهو مما لم يثبت، فلا يُعتمد عليه.
وجُعل قبره مسطّحًا لا مشرفًا ولا لاطئًا، كما رواه أبو داود عن القاسم بن محمد في وصف القبور الثلاثة، قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.
حثو التراب
وفي البخاري عن أنس رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها قالت له بعد أن دُفن النبي ﷺ: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ وهي كلمة تعبّر عن لوعتها. وقد ثبت في البخاري أيضًا عنها قولها في مرضه: واكرب أبتاه، فقال لها ﷺ: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم». فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
حجرة عائشة بعد الدفن
بقيت عائشة في الحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ وأبيها. قالت كما في مسند أحمد بإسناد صحيح: كنتُ أدخل بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وإني واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي. فلما دُفن عمر معهم فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودة عليّ ثيابي حياءً من عمر. وهذا يدل على توقيرها لقبور الصالحين وأدبها معهم.
وقد كان ما ترك النبي ﷺ من مال لا يُورَث؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة». وهكذا انتهت حياة أعظم الخلق ﷺ كما بدأت، بلا مال ولا زخرف، إنما ترك للأمة كتاب الله وسنته.
