Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الطعنة في صلاة الفجر: استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

دعاء الشهادة ورؤيا الديك

روى البخاري عن حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن عمر كان يدعو: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك». فقالت: وأنّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء. وروى مسلم عن معدان بن أبي طلحة أن عمر خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر، ثم قال: «إني رأيتُ كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي». فكان بين الرؤيا والحادثة أيام.

الطعنة

وأخبر عمرو بن ميمون في صحيح البخاري عن تلك الحادثة، وكان قد شهدها، فقال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللًا تقدّم فكبّر. وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس. فما هو إلا أن كبّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه. فطار العِلج بسكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنسًا، فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه.

وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله. فصلّى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة. فلما انصرفوا قال عمر: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفًا. الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام. قد كنتَ أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئتَ فعلتُ، أي إن شئتَ قتلنا. قال: كذبتَ، بعدما تكلّموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم وحجّوا حجّكم.

وهذا الرجل الذي قتله هو أبو لؤلؤة فيروز، غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيًّا من أهل نهاوند. وذكر المؤرخون، ومنهم ابن سعد والطبري، أنه شكا إلى عمر ثقل الخراج الذي كان على سيّده، فلم يجد عنده ما يريد، فكان ما كان. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ ولا تُبنى عليها أحكام. وكان ذلك يوم الأربعاء قبل نهاية ذي الحجة، وتوفي عمر رضي الله عنه بعد ثلاثة أيام، ودُفن في أول محرم من السنة الرابعة والعشرين على ما ذكره المؤرخون.

شراب اللبن والخروج من الجرح

ثم حُمل إلى بيته، وكان الناس كأنهم لم تُصبهم مصيبة قبل يومئذ. فقال قائل: أخاف عليه، وقال آخر: لا بأس. فأُتي بنبيذ فشربه فخرج من جرحه، ثم أُتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميّت. وهذا في صحيح البخاري.

ثناء الشاب وخشية الحساب

وجاء رجل شابّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ وقِدَم في الإسلام ما قد علمتَ، ثم استُخلفتَ فعدلت، ثم شهادة. فقال عمر: وددتُ أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي. فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمسّ الأرض، فقال: ردّوا عليّ الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. فكان رضي الله عنه، وهو على فراش الموت، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

الدَّين

ثم قال لابنه عبد الله: انظر ما عليّ من الدين. فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه. قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تفِ أموالهم فسل في قريش، ولا تعدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال. وفيه أن عمر، الذي فتح الله على يديه ملك كسرى وقيصر، مات وعليه دين، وأنه لم يترك لنفسه شيئًا من المال العام.

الاستئذان من عائشة

وقال: اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني اليوم لستُ للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدفن مع صاحبيه. فسلّم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنتُ أريده لنفسي، ولأوثرنّه اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنتْ. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قُبضتُ فاحملوني، ثم سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنتْ لي فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المسلمين. فهذه عاقبة الأدب: أن يستأذن بعد الموت كما استأذن في الحياة.

وصيته لمن بعده

وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة. واستأذن الرجال فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل. فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحدًا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، فسمّى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن. وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له. فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيّكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبل أن يُهاجر النبي ﷺ أن يُقبل من محسنهم ويُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتَل من ورائهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم. فكانت وصيته جامعة لمصالح الأمة كلها: السابقون والأنصار والأمصار والبادية وأهل الذمة.

الدفن

قال عبد الله بن عمر: فلما قُبض خرجنا به نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب. قالت عائشة: أدخلوه. فأُدخل فوُضع هنالك مع صاحبيه. وصلّى عليه صهيب بن سنان، كما أمر عمر رضي الله عنه. وتولى أمر المسلمين من بعده بعد المشورة عثمان بن عفان، وسيأتي ذلك في قصة الشورى.

قال النبي ﷺ كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر». وقال ﷺ: «ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجّك». وبموت عمر انكسر الباب الذي كان بين الأمة وبين الفتنة، كما في حديث حذيفة في الصحيحين: «إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، يوشك أن يُكسر»، قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: «بل يُكسر»، وكان عمر ذلك الباب.

العبرة

العبرة: أن عمر مات شهيدًا وهو يخشى الحساب ويوصي بالأمة ويستأذن عائشة في الدفن، فإن من خاف الله في حياته أمّنه في مماته. وفي الحادثة أن المؤمن لا يظلم حتى من قتله.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان (حديث عمرو بن ميمون الطويل)، وكتاب فضائل المدينة؛ صحيح مسلم: كتاب الجمعة (الرؤيا)، كتاب الفتن (حديث حذيفة)؛ تاريخ الطبري؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ البداية والنهاية.

الدرجة: الخبر الأساسي في صحيح البخاري من رواية عمرو بن ميمون؛ وسبب إقدام أبي لؤلؤة وتاريخ الدفن من كتب التاريخ وهو مشهور وليس بثابت التفصيل.