Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

قبل الحصار: ما نقمه الناس على عثمان وما ثبت منه وما لم يثبت

عثمان بن عفان رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من يحمل الراية بعد عمر

تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة سنة أربع وعشرين، وكان أمره في السنوات الست الأولى على أحسن حال، فتتابعت الفتوح في إفريقية وفارس وقبرص وأرمينية، وجُمع المصحف على حرف قريش ووسّع المسجد. ثم لما كبرت سنّه وكثرت الأمصار ظهرت أصوات تنقم عليه أمورًا. ويعرف المؤرخون هذه الفترة بأنها بداية الفتنة التي انتهت بمقتله.

وينبغي هنا أن نبيّن ما يصح مما نُقم عليه وما لا يصح، ونذكر أجوبة الصحابة والعلماء. وقد كتب في ذلك ابن العربي في العواصم من القواصم وابن تيمية في منهاج السنة وابن كثير في البداية والنهاية.

الأسئلة الثلاثة لابن عمر

روى البخاري عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر حجّ البيت، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدّثني: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنه تغيّب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنه تغيّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبيّن لك. أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيّبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه». وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان». فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك.

ما نُقم عليه في الأموال والولاة

كان أكثر ما نُقم على عثمان أنه ولّى أقاربه من بني أمية على بعض الأمصار، فجعل معاوية على الشام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر، وعبد الله بن عامر بن كريز على البصرة، والوليد بن عقبة ثم سعيد بن العاص على الكوفة. وقال الناقمون إنه آثر أهله بالمال، وأعطى بعضهم من بيت المال، وحمى الحمى، وآوى الحكم بن أبي العاص الذي طرده النبي ﷺ.

وللعلماء في ذلك أجوبة. فقد قال ابن تيمية وابن كثير: كان لعثمان رضي الله عنه اجتهاد في صلة الرحم من ماله الخاص، فقد كان من أغنى الصحابة، ولم يأخذ من بيت المال لنفسه شيئًا. وأما الولاة فهم من الأكفاء، وقد ولّى عمر نفسه معاوية، فاستمر عليه عثمان. ومع هذا فإن ما حدث من بعض الولاة، ومن ذلك أن الوليد بن عقبة جُلد في الخمر، كما ثبت في صحيح مسلم، يدل على أن عثمان لم يحابِ، فقد أقام الحدّ على قريبه. ففي مسلم أن علي بن أبي طالب جلده بأمر عثمان.

وأما ما رُوي من أنه أعطى مروان بن الحكم خُمس غنائم إفريقية، فقد أنكره المحققون كابن العربي وابن تيمية، وقالوا إن الرواية لا تثبت.

أمور ثابتة ووجه الاجتهاد فيها

ومما ثبت من أفعاله ﷺ ورضي الله عنه: أنه أتمّ الصلاة بمنى في حجه. ففي الصحيحين عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود صلى مع عثمان بمنى أربعًا، فقيل له في ذلك فاسترجع ثم قال: «صليتُ مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليتُ مع أبي بكر ركعتين، وصليتُ مع عمر ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتين متقبلتين». وفي رواية أبي داود أنه صلى أربعًا، فقيل له: عبتَ على عثمان ثم صليتَ أربعًا؟ قال: «الخلاف شرّ». وهذا يدل على أن الصحابة اختلفوا في المسألة وتحاكموا إلى الأدب. وقد عدّها الفقهاء من مسائل الاجتهاد، فقد كانت عائشة أيضًا تتم في السفر.

ومنها ما فعله من الأذان الثالث يوم الجمعة، وقد رواه البخاري عن السائب بن يزيد، وفيه أنه زاد النداء الثالث على الزوراء لما كثر الناس. ومنها جمع المصحف وإحراق ما سواه، وهو في صحيح البخاري من حديث أنس، وقد أجمع الصحابة عليه، وقال علي رضي الله عنه: لو وليتُ لفعلتُ مثل الذي فعل عثمان.

وأما ما نُقل في نفي أبي ذر إلى الربذة، فقد ثبت في البخاري عن زيد بن وهب أنه مرّ بالربذة فإذا هو بأبي ذر، فسأله ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشام فاختلفتُ أنا ومعاوية في ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة﴾، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها فكثر الناس عليّ كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان فقال لي: إن شئتَ تنحّيتَ فكنتَ قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيًّا لسمعتُ وأطعتُ. فتبين أنه لم يُنفَ نفيًا وإنما اختار الاعتزال بإذن عثمان.

ما لا يثبت

وأما ما ذكره بعض كتب التاريخ من أن عثمان ضرب ابن مسعود حتى كُسر ضلعه، أو أن عمار بن ياسر ضُرب حتى أُصيب بفتق، فهذه روايات في تاريخ الطبري وغيره عن أبي مخنف أو الواقدي، وهما ضعيفان في الرواية، ولا تقوم بها حجة. وقد أنكر المحققون كابن العربي وابن تيمية كثيرًا من هذه الأخبار أو ضعّفوا أسانيدها.

وكذلك الحال في الكتاب الذي قيل إن عثمان بعث به مع غلامه يأمر فيه عامله بمصر بقتل وفد المصريين. فقد ذكر المؤرخون أن عثمان حلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به، وأن الكتاب مزوّر. وروايات هذه الواقعة مضطربة، وهي من أمارات تدبير المحرّضين الذين استغلوا الشكاوى ليثيروا الناس.

أحاديث البشارة بالفتنة

وفي المقابل روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «يا عثمان، إنه لعل الله يقمّصك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني». وروى الترمذي وأحمد عن مرة بن كعب البهزي رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر الفتن فقرّبها، فمرّ رجل مقنّع في ثوب فقال: «هذا يومئذ على الهدى»، قال: فقمتُ إليه فأخذتُ بضبعيه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلتُ بوجهه إلى رسول الله ﷺ فقلتُ: هذا؟ قال: «هذا». والحديث صحيح. فاستند عثمان إلى هذا في ثباته ورفضه التنحي.

دفاع عثمان عن نفسه

وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي أنه حين حوصر أشرف عليهم من فوق الدار وقال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يُستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»؟ فاشتريتُها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم. وذكّرهم بتوسعة المسجد وبتجهيزه جيش العسرة. وسيأتي تفصيل الحصار في القصة التالية.

العبرة

العبرة: أن أخطاء الحاكم الاجتهادية لا تسوّغ الخروج عليه بالسيف، وأن الفتن تُغذّيها الأكاذيب والأخبار الواهية، فلا بد من التثبت. وأن الصحابة اختلفوا في مسائل بأدب فقالوا: الخلاف شر.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة (باب مناقب عثمان)، كتاب الحج (باب الصلاة بمنى)، كتاب الزكاة (باب ما أدي زكاته فليس بكنز)، كتاب الجمعة (النداء الثالث)، كتاب فضائل القرآن (جمع المصحف)؛ صحيح مسلم: كتاب الحدود (جلد الوليد)؛ سنن الترمذي (فضائل عثمان) وابن ماجه؛ مسند أحمد؛ العواصم من القواصم لابن العربي؛ منهاج السنة لابن تيمية؛ البداية والنهاية.

الدرجة: الأحاديث المذكورة صحيحة أو حسنة؛ وأخبار ما نُقم على عثمان من تاريخ الطبري وغيره منها المشهور ومنها ما لا يثبت، وقد صُرّح بذلك في النص.