Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سنون كسني يوسف: القحط على قريش وآية الدخان

النبي محمد ﷺ وأبو سفيان بن حرب

دعاء النبي ﷺ

بعد سنوات من الدعوة واستمرار الإعراض والإيذاء، رأى النبي ﷺ أن الكثيرين مصرّون على الكفر. ولم يحدّد في الروايات الصحيحة زمن هذه الواقعة ومكانها، والأظهر عند كثير من العلماء أنها في العهد المكي. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف. وفي رواية في البخاري عن مسروق: لما رأى رسول الله ﷺ من الناس إدبارًا قال: «اللهم سبعًا كسبع يوسف».

فأصابتهم سنة حصّت كل شيء، أي استأصلته، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف. وكان الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع. وهذا الوصف في صحيح البخاري من كلام ابن مسعود.

الآيات

وأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلًا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾، وهي من سورة الدخان.

وفي سورة المؤمنون: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾. وقد ذكر بعض المفسرين، ومنهم ابن عباس كما رواه النسائي في التفسير والطبري وغيرهما، أن هذه الآية نزلت في القحط الذي أصاب قريشًا وأن أبا سفيان جاء إلى النبي ﷺ، وفي إسناد هذه الرواية مقال عند بعض العلماء.

أبو سفيان يأتي النبي ﷺ

روى البخاري عن ابن مسعود: فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادعُ الله لهم. وفي رواية ابن عباس أنه قال: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: «بلى». قال: قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع. وقد قال بعض أهل العلم إن هذه الرواية تتضمن ما يشبه الواقع من حال قريش، لكنها ضعيفة بهذا اللفظ.

وفي سياق الحديث الصحيح: فقال الله عز وجل: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله ﴿إنكم عائدون﴾، قال: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ أي: فكُشف عنهم قليلًا، ثم عادوا إلى كفرهم. وفي رواية في البخاري أن النبي ﷺ استسقى لهم فسُقوا. ثم قال ابن مسعود في تفسير الآية: فكُشف عنهم ثم عادوا إلى كفرهم، فانتقم الله منهم يوم بدر.

ثمامة بن أثال

ومن نظير ذلك ما جرى لقريش بعد الهجرة، فقد ذكر ابن إسحاق وابن حجر أن ثمامة بن أثال الحنفي، سيد أهل اليمامة، لما أسلم قال لقريش: لا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ. وكانت اليمامة مصدر طعام مكة. فكتبت قريش إلى النبي ﷺ تسأله بالرحم أن يكتب إلى ثمامة أن يخلي لهم حمل الطعام، ففعل. وحادثة أسر ثمامة وإسلامه في الصحيحين، وأما قوله لقريش وكتابتهم إلى النبي ﷺ فمن السيرة.

فكان القحط والضيق يصيب قريشًا مرة بعد أخرى، وفي كل مرة يقابل النبي ﷺ ذلك بالرحمة، فيدعو لهم ويكتب لهم، وهم يعودون.

ويظهر الفرق بين حال قريش وحال المسلمين في الشدة لو قارنا ما ثبت في المدينة. روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يغثنا. فرفع النبي ﷺ يديه ودعا، فما نزل عن المنبر حتى ثار السحاب، ومُطروا أسبوعًا. ثم جاء رجل في الجمعة التالية فقال: تهدمت البيوت وانقطعت السبل، فادعُ الله يحبسها عنا. فقال ﷺ: «اللهم حوالينا ولا علينا». فتجلى السحاب عن المدينة. فالمؤمنون يرجعون إلى ربهم في الشدة وفي الرخاء ويشكرون، وأما المكذبون فإنهم ﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون﴾، يتهمون الرسول الذي جاءهم بالبيان بأنه يتعلم من غيره وأنه مجنون.

هل مضى الدخان؟

اختلف الصحابة والتابعون والمفسرون في معنى الدخان. قال ابن مسعود: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. يعني أن الدخان قد وقع، وأنه هذا القحط الذي حلّ بقريش، وأن البطشة الكبرى هي يوم بدر. وهو قول جماعة من المفسرين.

وذهب جماعة من الصحابة والسلف، منهم علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري، إلى أن الدخان من أشراط الساعة لم يأتِ بعد، واستدلوا بحديث حذيفة بن أسيد الغفاري في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ذكر عشر آيات قبل الساعة، وذكر منها الدخان. ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون ما أصاب قريشًا من جنس ذلك، وسيأتي دخان آخر آخر الزمان، وقد قال بالجمع بعض المفسرين.

الفقه والعبر

يظهر في هذه القصة أن دعاء النبي ﷺ على قومه كان بعد أن يئس منهم أو رأى شدة عنادهم، ومع ذلك لم يقابل رجاءهم بالقسوة، بل دعا لهم لما جاء أبو سفيان. وفيها أن البلاء قد يكون رحمة ليرجع الناس، كما قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾. وهذا الدرس يبين أن الشدائد لا تهدي من أصرّ على الكفر، وإنما يزيده التكذيب.

ومن الفقه أيضًا أن الصحابي يفسر القرآن بمعايشته للحدث، وأن الاختلاف في بعض التفاسير لا يضر ما دام الأصل ثابتًا.

ولما ذُكر قصة قريش في هذه الأيام وصبرها على الجوع، فإن أبا سفيان نفسه الذي طلب كشف الضر أسلم بعد ذلك عام الفتح، وصار من المسلمين، وهذا يدل على أن الرحمة بالأعداء قد تثمر.

العبرة

العبرة: أن الشدائد لا تنفع من أصر على العناد، وأن النبي ﷺ على شدة دعائه عليهم كان رحيمًا بهم يستجيب لرجائهم. وأن الله يبتلي الناس بالقحط ليتضرعوا فمن لم يتضرع انتقم منه.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الدخان (الآيات 10 - 16)، سورة المؤمنون (الآية 76)؛ صحيح البخاري: كتاب الاستسقاء وكتاب التفسير (سورة الدخان)؛ صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين (باب الدخان) وكتاب الفتن؛ تفسير الطبري وابن كثير؛ فتح الباري.

الدرجة: حديث ابن مسعود في البخاري ومسلم صحيح؛ وحديث ابن عباس في قول أبي سفيان (قتلت الآباء بالسيف) مختلف في إسناده؛ وخبر ثمامة وقريش من السيرة؛ وفي معنى الدخان قولان للسلف.