Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

حصار الشِّعب: ثلاث سنين من المقاطعة

النبي محمد ﷺ وبنو هاشم وبنو المطلب

الصحيفة

بعد أن أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما، وانتشر الإسلام في قبائل مكة، ورأت قريش أن النبي ﷺ ممنوع بعمه أبي طالب وبقومه بني هاشم وبني المطلب، اجتمعوا وتشاوروا. وذكر ابن إسحاق في السيرة أنهم كتبوا صحيفة تعاهدوا فيها ألا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، حتى يسلّموا إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه. وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا للعهد.

والأصل في هذا الخبر ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ حين أراد حنينًا: «منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر». وفي رواية أخرى عن أسامة بن زيد في الفتح وفي الحج: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». قال الراوي، كما في البخاري: وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم. وهذا هو الثابت في الصحيح في أصل الحادثة، أما التفاصيل فمن السيرة.

الدخول إلى الشعب

فاجتمع بنو هاشم وبنو المطلب مع النبي ﷺ في شِعب أبي طالب، وهو موضع بين الجبال في شرقي مكة. ومن بنو هاشم مسلمون وكافرون، فقد دخل فيه أبو طالب وهو على دينه، دفاعًا عن ابن أخيه ﷺ، ولم يخرج منهم إلا أبو لهب، فإنه ظاهر قريشًا عليهم، كما ذكر ابن إسحاق.

وكانت مدة المقاطعة نحو ثلاث سنين على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وقيل غير ذلك. وبدأت في المحرم من السنة السابعة للبعثة في أشهر الأقوال.

شدة الجوع

وكان القوم يخرجون إلى السوق فيقول أهل مكة للتجار: ارفعوا الأسعار على المحاصرين. ويذكر ابن إسحاق أن أصواتهم كانت تُسمع من الشعب من شدة الجوع، وأن الصبيان كانوا يبكون. وفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لقد رأيتني وأنا سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحُبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط. وقد رواه البخاري في فضائل الصحابة في سياق مناقب سعد، وقد ورد في أول الإسلام وشدة العيش، فيحتمل أن يكون المراد به أيام الشعب أو ما قبلها.

وذكر ابن إسحاق أن حكيم بن حزام كان يحمل القمح إلى عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فلقيه أبو جهل فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فتدخل أبو البختري بن هشام فقال: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. فلم يزل بينهما شيء حتى ضربه أبو البختري بلحي بعير فشجه. وهذه الرواية من السيرة، وليس لها إسناد في الصحيح.

وفي السيرة أن أبا طالب كان يخاف على النبي ﷺ من الاغتيال، فكان إذا نام الناس أمر النبي ﷺ أن يأتي فراشه، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أن يضطجع على فراش النبي ﷺ، وأمره أن يأتي بعض فرشهم. وذكر ابن إسحاق هذا الخبر دون إسناد معتمد.

وفي هذه الأيام قال أبو طالب قصيدته المشهورة التي ذكرها ابن إسحاق، ومنها قوله: كذبتم وبيت الله نُبزى محمدًا ولمّا نطاعن دونه ونناضل. أي: لن تأخذوا محمدًا ما دمنا نقاتل دونه. ومنها البيت الذي علّقه البخاري عن ابن عمر في الاستسقاء: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثِمال اليتامى عصمة للأرامل. والقصيدة ثابتة النسبة إلى أبي طالب عند أهل السير، وبعض أبياتها في الصحيح.

نقض الصحيفة

يذكر ابن إسحاق أن أبا طالب أخبر قريشًا أن ابن أخيه أخبره أن الله سلط على الصحيفة الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم وبقي ما كان فيها من اسم الله، وأنه إن كان صادقًا ألا يقاتلوهم، وإن كان كاذبًا دفعه إليهم. فلما نظروا وجدوها كما قال. وهذا الخبر رواه ابن إسحاق في السيرة بلا إسناد متصل، وقد ذكره ابن كثير وقال إنه من الأخبار المشهورة، لكنه لا يعد ثابتًا بإسناد صحيح، فنذكره على أنه مروي ولم يثبت.

وكان الذي سعى في نقض الصحيفة نفر من قريش أحسّوا بالظلم، ومنهم هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود. فاجتمعوا ليلًا بالحجون وتعاقدوا على نقض الصحيفة. وقد ذكر ابن إسحاق تفصيل ذلك. وهذه الرواية في السيرة وهي مما تواتر نقله بين أهل السير، وإن لم يثبت بإسناد صحيح متصل.

الخروج من الشعب

ثم خرج النبي ﷺ ومن معه من الشعب، وعاد المسلمون إلى بيوتهم. وبعد قليل توفي أبو طالب ثم خديجة رضي الله عنها، فكان عام الحزن. وقد ذكر بعض أهل السير أن ما أصابهما من الشدة في الشعب أثّر في ضعفهما، والله أعلم.

دروس

في هذا الحدث دروس عديدة. أولها أن الدعوة تتعرض للمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية لإخضاعها، وأن الصبر على الجوع والحرمان طريقها. وثانيها أن الحمية والنصرة العصبية قد يستعملها الله في حفظ الدعوة، فقد حمى أبو طالب النبي ﷺ ولم يسلم، وأن المحبة الفطرية لا تغني عن الإيمان. وفي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي ﷺ: ما أغنيتَ عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، رواه البخاري ومسلم.

وثالثها أن الله جعل المحنة طريقًا للتمحيص، وأن الفرج بعد الشدة. قال تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا﴾.

العبرة

العبرة: أن الصبر على الأذى والحصار طريق الدعوة، وأن الله يجعل الفرج بعد الشدة، وأن المحبة الطبيعية لا تغني عن الإيمان. وأن الظلم الجماعي يسقط بنفوس كريمة تأبى الظلم.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب الحج (باب نزول النبي ﷺ مكة)، كتاب المناقب (قصة أبي طالب)، كتاب فضائل الصحابة (مناقب سعد)؛ صحيح مسلم: كتاب الحج وكتاب الإيمان؛ سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق؛ البداية والنهاية.

الدرجة: أصل التحالف على بني هاشم وبني المطلب والتقاسم على الكفر ثابت في الصحيحين؛ وتفاصيل الحصار ومدته ونقض الصحيفة وأكل الأرضة من السيرة (ابن إسحاق) بلا إسناد متصل، وقد نُبّه على ذلك.