Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

كعب بن مالك: نجّاني الصدق

كعب بن مالك رضي الله عنه

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك. وكانت غزوة في شدة الحر، وسفرًا بعيدًا، وعدوًّا كثيرًا، فبيّن رسول الله ﷺ للمسلمين وجهتهم ليتأهبوا. قال كعب: وما اجتمعت لي راحلتان قط قبل تلك الغزوة، ولم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت. فجعلت أقول: أتجهز غدًا، حتى مضى الجيش وفاتني الأمر. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروجه حزنني ألا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا من الضعفاء الذين عذرهم الله. فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد أقبل راجعًا حضرني همّي، وجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ فلما قيل إنه قد أظلّ قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. وصبّح رسول الله ﷺ قادمًا، فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فجاءه المتخلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله. فجئت فسلمت، فتبسم تبسّم المغضَب ثم قال: تعال. فجئت حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ قلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وتبعني رجال من بني سلمة يلومونني ويقولون: ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت بما اعتذر به المتخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال كعب: فوالله ما زالوا يؤنّبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم علمت أن رجلين صالحين قد قالا مثل ما قلت، وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية رضي الله عنهما، وكانا شهدا بدرًا، ففيهما لي أسوة. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة، فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا حتى تنكّرت لي نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وكنت آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني. ولما طال ذلك تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار. وبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام جاء بطعام يبيعه يسأل عني، فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمّمت بها التنّور فسجرته بها. فلما مضت أربعون ليلة من الخمسين أتاني رسول رسول الله ﷺ يقول: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فلما تمت خمسون ليلة صليت الفجر على ظهر بيت من بيوتنا، وأنا على الحال التي ذكر الله: ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج. وكان رسول الله ﷺ قد آذن الناس بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وركض إليّ رجل فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشارته، ولم أكن أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، فلا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله. وكان رسول الله ﷺ إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدّث إلا صدقًا ما بقيت. قال كعب: فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا. وأنزل الله: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وعلى الثلاثة الذين خلفوا، ثم قال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. قال كعب: فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا.

العبرة

الصدق وإن بدا مؤلمًا في وقته فهو طريق النجاة، والكذب وإن بدا مخرجًا فإن عاقبته الهلاك.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك؛ وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه

الدرجة: صحيح — متفق عليه، رواه البخاري ومسلم