Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

المقداد وشربة اللبن: أمانة الجائع

المقداد بن الأسود رضي الله عنه

يحكي المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: أقبلتُ أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا. فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ: احتلبوا هذا اللبن بيننا. فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلّم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويُسمع اليقظان، ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربتُ نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها. فلما أن وَغَلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل، ندّمني الشيطان فقال: ويحك، ما صنعتَ؟ أشربتَ شراب محمد فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك؟ وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعتُ. فجاء النبي ﷺ فسلّم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك. فقال: اللهم أطعِم من أطعمني، وأسقِ من أسقاني. قال: فعمدتُ إلى الشملة فشددتها عليّ، وأخذتُ الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافل، وإذا هنّ حُفّل كلهن، فعمدتُ إلى إناء لآل محمد ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، فحلبتُ فيه حتى علتْه رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟ قلت: يا رسول الله، اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولني، فلما عرفتُ أن النبي ﷺ قد رَوِيَ وأصبتُ دعوته ضحكتُ حتى ألقيتُ إلى الأرض. فقال النبي ﷺ: إحدى سوآتك يا مقداد. فقلت: يا رسول الله، كان من أمري كذا وكذا وفعلتُ كذا. فقال النبي ﷺ: ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنتَ آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟ قلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتَها معك من أصابها من الناس. قال أهل العلم في شرح هذا الحديث: فيه كرم النبي ﷺ وإيثاره أصحابه على نفسه، ومراعاته لمن ينام فلا يوقظه، وفيه أن النبي ﷺ لم يعنّف المقداد على ما فعل بعد أن صدق في اعترافه، بل أرجع الأمر إلى رحمة الله وتمنّى لو كان قد أيقظه ليشاركه صاحباه. وقد كان المقداد رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن الفرسان الذين شهدوا بدرًا، وكان صادقًا في اعترافه بالذنب مع شدة حيائه من النبي ﷺ.

العبرة

الجوع قد يضعف النفس عن الأمانة، لكن الصادق يعترف بخطئه ويصدق مع نفسه، وسعة صدر النبي ﷺ تحتوي زلات أصحابه.

المصدر: صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره

الدرجة: صحيح — رواه مسلم