كان أبو العاص بن الربيع من أشراف قريش وتجارها، وزوجته زينب بنت رسول الله ﷺ، وكانت قد بقيت معه بمكة لما بُعث النبي ﷺ. فلما كانت غزوة بدر خرج أبو العاص مع قريش فأُسر، وبعثت زينب في فدائه بقلادة كانت لأمها خديجة رضي الله عنها، فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا. فقالوا: نعم يا رسول الله. فأخذ عليه النبي ﷺ أن يخلّي سبيل زينب إليه، ففعل. ثم مضت الأيام وعاد أبو العاص إلى التجارة. كان أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ، وكان تاجرًا يُؤتمن على المال. خرج مرة في عير لقريش إلى الشام ومعه أموال له وأموال لرجال من قريش أودعوها عنده، فلما رجع لقيته سرية من سرايا رسول الله ﷺ بقيادة زيد بن حارثة، فأصابوا ما معه، وأفلت أبو العاص. فدخل المدينة في الليل حتى أتى زينب رضي الله عنها فاستجار بها فأجارته. ولما كبّر رسول الله ﷺ لصلاة الفجر صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع. فلما سلّم رسول الله ﷺ قال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل على ابنته فقال: أي بنية، أكرمي مثواه ولا يَخلُصنّ إليك، فإنك لا تحلين له. ثم بعث إلى أولئك الرجال الذين أصابوا ماله فقال: إن هذا الرجل منا حيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به. فقالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه. فردّوا ما أصابوا منه حتى إن الرجل ليأتي بالدلو والرجل بالشنّة والرجل بالإداوة، حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ. ثم احتمل أبو العاص إلى مكة، فأدّى إلى كل ذي مال من قريش ماله الذي أودعه عنده. ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًّا كريمًا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوّف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمتُ. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ. ولما عاد أبو العاص إلى المدينة مسلمًا رد إليه رسول الله ﷺ زوجته زينب على النكاح الأول، كما جاء في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي. وكان النبي ﷺ يثني عليه، ففي صحيح البخاري أنه ﷺ ذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، وقال: حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي.
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق
أبو العاص بن الربيع: أدّى الأمانات ثم أسلم
أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه
العبرة
الأمانة تفتح القلوب قبل أن يفتحها الكلام، ومن أدّى الحقوق إلى أهلها كان إسلامه أصدق وأبعد عن الشبهة.
المصدر: سيرة ابن هشام، خبر أبي العاص بن الربيع (من رواية ابن إسحاق)؛ ومسند أحمد في أمر إجارة زينب له
الدرجة: ثابت في كتب السيرة — رواه ابن إسحاق، وأصل القصة في مسند أحمد بإسناد حسن
