Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

ماعز بن مالك: طهّرني يا رسول الله

ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه

كان ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه من أصحاب النبي ﷺ. جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال له النبي ﷺ: «ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه». فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال النبي ﷺ مثل ذلك. وفي رواية البخاري أنه جاءه وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحّى لشقّ وجهه الذي أعرض قِبَله وأعاد قوله، حتى شهد على نفسه أربع شهادات.

فلما كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ: «فيمَ أطهّرك؟» قال: من الزنا. فسأل رسول الله ﷺ: «أبه جنون؟» فأُخبر أنه ليس بمجنون. وفي رواية: «أشرب خمرًا؟» فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. وفي رواية البخاري قال له النبي ﷺ: «لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت؟» قال: لا يا رسول الله. ثم سأله سؤالًا صريحًا ليتحقق من الأمر، وسأله: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فأمر به فرُجم.

وروى جابر رضي الله عنه، وكان ممن رجمه، أنهم رجموه بالمصلّى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركوه بالحرّة فرجموه حتى مات. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال له خيرًا. وفي رواية أخرى عند أبي داود والترمذي أن النبي ﷺ قال لما بلغه هربه: «هلّا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه». وجاء في قصته عند أبي داود أن النبي ﷺ قال لهزّال، وهو الذي أشار على ماعز بالمجيء إليه: «يا هزّال، لو سترتَه بثوبك كان خيرًا لك مما صنعت به».

ثم كان الناس في أمره فريقين: قائل يقول لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة. فلبثوا يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس فسلّم ثم جلس فقال: «استغفروا لماعز بن مالك». قالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله ﷺ: «لقد تاب توبة لو قُسمت بين أمة لوسعتهم».

ويُستفاد من هذه القصة أن الأصل في من وقع في ذنب أن يستر نفسه ويتوب بينه وبين ربه، وهذا ما أرشده إليه النبي ﷺ في أول مرة حين قال له: ارجع فاستغفر الله وتب إليه. غير أن ماعزًا أصرّ على أن يلقى الله مطهَّرًا، ولم يرجع عن طلبه رغم إعراض النبي ﷺ عنه مرة بعد مرة. ثم تأمّل شهادة الصحابة له: ما توبة أفضل من توبة ماعز، فقد رأوا بأعينهم رجلًا يسلّم نفسه طائعًا ويضع يده في يد النبي ﷺ. وفي ذلك درس أن الله يطّلع على القلوب، فمن صدق في التوبة قُبل منه، وأن الصحابة رضي الله عنهم لم يُنزلوا التائب منزلة المجرم، بل رأوا في توبته أعلى مراتب الصدق.

العبرة

التوبة الصادقة تدفع صاحبها إلى مواجهة الذنب بصدق، ولا يبلغ ذنبٌ مبلغًا يحول بين العبد وبين رحمة الله إذا صدق في توبته.

المصدر: صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (حديث بريدة)؛ وصحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت (حديث ابن عباس)، وحديث جابر

الدرجة: صحيح — رواه البخاري ومسلم