Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

آمنت بي إذ كفر بي الناس: سيرة خديجة بنت خويلد

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

— نسبها وسمعتها قبل البعثة — هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، ويلتقي نسبها بنسب النبي ﷺ في جده قصي بن كلاب. ذكر أهل السير أنها كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في تجارتها وتجعل لهم نصيبًا من الربح، وأنها كانت تُدعى في الجاهلية «الطاهرة» لعفافها وسمو خلقها (ابن إسحاق، وابن سعد في الطبقات). وهذه الأخبار مشهورة في كتب السيرة، وليست من أحاديث الصحيحين، فنأخذها على أنها معروفة في السير.

— رحلة الشام والزواج — تذكر كتب السيرة أن خديجة بلغها عن محمد بن عبد الله ﷺ صدق حديثه وعِظم أمانته وكرم أخلاقه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرًا إلى الشام ومعه غلامها ميسرة، فخرج ورجع بربح وفير، وحدّثها ميسرة بما رأى من أخلاقه. ثم رغبت في الزواج منه، وكان بينهما وسيط في رواية ابن إسحاق هي نفيسة بنت منية، وخطبها له عمه أبو طالب. وكان عمره ﷺ خمسًا وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة في أشهر الروايات، وقيل غير ذلك في سنها. وينبغي التنبيه إلى أن تفاصيل قصة الخطبة لم تثبت بإسناد متصل عند المحققين، والثابت المجمع عليه أنها كانت زوجه ﷺ قبل البعثة، وأن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من مارية رضي الله عنها.

— بيتها وأولادها — أنجبت له القاسم، وبه كان يُكنى ﷺ، ثم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وعبد الله ويلقب بالطيب والطاهر، ومات الذكور صغارًا. وتذكر السير أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان غلامًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، وأنه ﷺ أخذ عليًّا رضي الله عنه صغيرًا إلى بيته في سنة شدة أصابت قريشًا، فنشأ في ذلك البيت. وهذان الخبران من السير كذلك، وفيهما دلالة على أن بيتها كان بيت سكينة ورحمة.

— الليلة التي تغيّر فيها كل شيء — روت عائشة رضي الله عنها في الصحيحين خبر بدء الوحي: كان أول ما بدئ به ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، أي يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. وهذا وحده يدل على أنها كانت عونًا له على خلوته، تُعدّ له الزاد وتصبر على غيابه. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فأخذه فغطّه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، وكرر ذلك ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ الآيات. فرجع بها يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: زمّلوني زمّلوني. فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.

— كلا والله ما يخزيك الله أبدًا — أجابته خديجة بجواب العاقلة الواثقة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». وقد نبّه شُرّاح الحديث إلى أنها استدلت بكريم أخلاقه على أن الله لا يخذل من كانت هذه صفاته، فبنت يقينها على ما رأته من سيرته الطويلة قبل أن تتضح الحقيقة. ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى عليه السلام، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال ﷺ: «أَوَمُخرِجيَّ هم؟» قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. وقد رُوي في بعض كتب السير أن خديجة اختبرت الملَك بأن كشفت عن نفسها فاختفى، ولا يثبت ذلك بإسناد صحيح، فلا يُعتمد عليه، والثابت ما في الصحيحين.

— أول من آمن — ذكر ابن إسحاق أنها أول من آمن بالله ورسوله وصدّق بما جاء به، وحكى بعض أهل العلم الاتفاق على أنها أول من أسلم. وقال ابن إسحاق إنها كانت له وزير صدق على الإسلام، وإنه كان لا يسمع شيئًا يكرهه من الرد عليه وتكذيبه فيحزنه ذلك إلا فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبّته وتخفف عليه وتصدقه وتهوّن عليه أمر الناس. وفي مسند أحمد من حديث عائشة أن النبي ﷺ ذكرها يومًا فقال: «آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء»، وقد حسّن إسناده بعض المحققين.

— الشِّعب وعام الحزن — لما كتبت قريش صحيفة المقاطعة على بني هاشم وبني المطلب، دخل معهم الشعب بنو هاشم ومعهم النبي ﷺ وخديجة نحو ثلاث سنين على المشهور في كتب السير، حتى خرجوا. وكانت قد بلغت من العمر ما بلغت، وتوفيت بعد خروجهم من الشعب بقليل، في العام العاشر من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين على المشهور، وكانت يومئذ في نحو الخامسة والستين. وتزامنت وفاتها مع وفاة عمه أبي طالب، وقد اختلف في أيهما مات قبل الآخر، وسمّى أهل السير ذلك العام «عام الحزن». فقد ﷺ الزوجة الناصرة والعم الحامي في وقت قريب، فاشتد أذى قريش عليه.

— بشارة من رب العالمين — في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وقد فسّر العلماء القصب هنا باللؤلؤ المجوّف، والصخب بالصياح، والنصب بالتعب. وفي الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد».

— وفاء لا يزول — وبقي ذكرها حيًّا في بيت النبوة بعد موتها بسنين. قالت عائشة رضي الله عنها: ما غِرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطّعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، أي صديقاتها (البخاري ومسلم). وقالت: فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد». وفي صحيح مسلم أن عائشة قالت يومًا: قد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب ﷺ وقال: «والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس...» وقال: «إني قد رُزقت حبها». واستأذنت عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فارتاح لذلك لأنه ذكّره باستئذان خديجة، كما في الصحيحين.

العبرة

الإيمان الصادق يقوم على معرفة الخلق والسيرة لا على المظاهر، ومن ثبّتت رسول الله ﷺ في أصعب لحظات حياته نالت من الله السلام والبشارة. والوفاء لأهل الفضل بعد موتهم من تمام الخلق.

المصدر: صحيح البخاري: بدء الوحي، فضائل خديجة؛ صحيح مسلم: فضائل خديجة، بدء الوحي؛ مسند أحمد؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد؛ سورة العلق

الدرجة: ما ورد في بدء الوحي وفضائلها صحيح في البخاري ومسلم؛ وما ورد في تجارتها وخطبتها وتاريخ وفاتها من السير والطبقات وفي أسانيده انقطاع؛ وقصة كشفها عن نفسها لاختبار الملك لا تثبت.