— من هي سودة؟ — هي أم المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، من بني عامر بن لؤي. أسلمت بمكة في أول الإسلام، وكان زوجها السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وقد أسلم معها وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثانية على ما ذكره ابن سعد وأهل السير، وتوفي السكران بعد عودتهما إلى مكة أو في الحبشة على خلاف في الروايات. فبقيت أرملة مسلمة، لا يحميها إلا قومها المشركون.
— الزواج بعد خديجة — بعد وفاة خديجة رضي الله عنها كان بيت النبي ﷺ يحتاج إلى امرأة تقوم على بناته الصغار. وفي مسند أحمد أن خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها جاءت إلى النبي ﷺ بعد موت خديجة، فقالت: يا رسول الله، ألا تزوَّج؟ قال: «ومن؟» قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال: «فمن البكر؟» قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: «ومن الثيب؟» قالت: سودة بنت زمعة، آمنتْ بك واتبعتْك على ما تقول. فقال: «فاذهبي فاذكريهما عليّ». فتزوج سودة بمكة قبل عائشة، وبنى بها هناك، وكانت أول امرأة تزوجها بعد خديجة. والحديث حسّن إسناده عدد من المحققين، وأما ما يُروى في بعض كتب السير من تفاصيل المحاورة مع أهل سودة، فلا نعتمد عليه هنا.
— دورها في البيت — تذكر كتب السيرة أن سودة كانت امرأة كبيرة في السن ثقيلة الجسم، وأنها قامت على بنات النبي ﷺ ورعتهن في بيته بعد وفاة أمهن. وقد وصفتها عائشة رضي الله عنها وصفًا حسنًا، فقالت في صحيح مسلم: ما رأيت امرأة أحب إليّ أن أكون في مسلاخها، أي في هيئتها وطريقتها، من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حِدّة. ثم ذكرت أنها لما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. وهذه شهادة من ضرّتها لها، تدل على سلامة الصدر وصفاء البيت.
— خشية الطلاق وهبة اليوم — روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها في تفسير قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾، قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي. وفي الصحيحين عنها: «أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة». وفي رواية الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سودة خشيت أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت الآية ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾. وقد حسّن الترمذي هذا الحديث.
وفي هذا الحديث فائدة فقهية ذكرها المفسرون كابن كثير: أن للمرأة أن تتنازل عن بعض حقوقها في القسمة أو النفقة إن رأت أن في ذلك مصلحة لبقاء الزوجية، وأن الصلح بين الزوجين خير من الفراق. ولم يطلقها النبي ﷺ، بل أبقاها زوجة له حتى وفاته، ثم بقيت أم المؤمنين بعده.
— موقف الحجاب وغَيرة عمر — في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: خرجت سودة بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عَرْق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه ثم رُفع عنه وإن العَرْق في يده ما وضعه، فقال: «إنه قد أُذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن». ففي هذا الحديث أن الحجاب لم يمنع النساء من الخروج لحاجتهن المشروعة، وأن عمر رضي الله عنه كان شديد الغيرة على نساء النبي ﷺ، وأن الشرع جاء بالتيسير.
— في الحج ليلة المزدلفة — وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة، وكانت ثقيلة ثَبِطة، أي بطيئة الحركة، فأذن لها أن تدفع قبل حَطمة الناس، أي قبل ازدحامهم. قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. وقد استدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل للضعفة ومن في حكمهم، مراعاة للحال.
— الشاة والمسك — ومن أخبارها في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرتني سودة زوج النبي ﷺ قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنًّا. أي أنهم صنعوا من جلد الشاة سقاءً بعد دباغه، وهي رواية تدل على سنة الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ، وعلى بساطة عيشهم في بيت النبوة.
— من طرائف الأخبار الصحيحة: طول اليد — روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن له: أيُّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: «أطولكنّ يدًا». فأخذن قصبة يذرعنها، فكانت سودة أطولهن ذراعًا. قالت عائشة: فعلمنا بعد ذلك أن المراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب بنت جحش أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة، أي أنها كانت أول أزواجه وفاةً بعده. وفي الحديث أن الصحابيات حملن اللفظ أولًا على ظاهره، ثم تبيّن لهنّ المقصود بالوقائع، وأن سودة رضي الله عنها كانت طويلة الذراع حقيقةً، وبقيت بعد النبي ﷺ سنين طويلة.
— وفاتها — اختلف في وفاة سودة رضي الله عنها: فذكر ابن سعد وغيره أنها توفيت في المدينة في آخر خلافة عمر بن الخطاب، وذكر آخرون أنها توفيت في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين، فاختلف المؤرخون في ذلك، ولا يُجزم بسنة بعينها. ودُفنت بالبقيع.
