Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

نسيبة بنت كعب أم عمارة: فارسة الأنصار من العقبة إلى اليمامة

نسيبة بنت كعب المازنية (أم عمارة) رضي الله عنها

— من هي أم عمارة؟ — هي نسيبة بنت كعب بن عمرو المازنية النجارية الأنصارية، وتُكنى أم عمارة، وكانت تحت زيد بن عاصم المازني وأنجبت له حبيبًا وعبد الله، ثم تزوجت بعده غزية بن عمرو وأنجبت له تميمًا وخولة، كما ذكر ابن سعد. وهي من أوائل الأنصار إسلامًا،

— بيعة العقبة الثانية — شهدت نسيبة مع زوجها غزية بن عمرو وابنها بيعة العقبة الثانية في موسم الحج، وكانت إحدى امرأتين حضرتا هذه البيعة مع الثلاثة والسبعين رجلًا، والأخرى هي أسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع، كما رواه ابن إسحاق من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وأخرجه أحمد وغيره بإسناد صحيح. وقد بايعت النبي ﷺ في تلك الليلة السرية، ولم يُنقل أنه صافح النساء. وكان أمرًا كبيرًا أن تحضر امرأة هذا العهد وتتحمل تبعاته.

— حديثها في سؤال النساء — روى الترمذي بإسناد حسن عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يُذكرن بشيء. فنزلت هذه الآية: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات...﴾. وروي نحو ذلك عن أم سلمة. فكان سؤالها من الأسباب المروية لنزول الآية. وفي هذا الباب أيضًا روى الترمذي وابن ماجه عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فقدّمت له طعامًا فقال: «كلي»، فقالت: إني صائمة، فقال النبي ﷺ: «إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا». وحسّنه أهل العلم.

— يوم أحد — أول ما ورد في الصحيح عن يوم أحد أن المسلمين انكشفوا حتى بقي النبي ﷺ في نفر قليل، فقد روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة»، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل. وكانت نسيبة في ذلك اليوم قد خرجت تسقي الجرحى.

وتفصيل بلائها مأخوذ من الطبقات لابن سعد وسيرة ابن إسحاق، وأكثره من رواية الواقدي، وهو متكلَّم فيه عند المحدثين، فنذكره على أنه من أخبار السير لا من الصحيح. فقد رُوي عنها أنها قالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذبّ عن رسول الله ﷺ بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إليّ الجراح. وذكر أهل السير أن ابن قمئة ضربها على عاتقها ضربة كان لها غور، وأنها ضربته فلم تعمل سيوفها لأنه كان عليه درعان.

وروى ابن سعد عن ابنها عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ قال: «ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني». وفي رواية عن النبي ﷺ أنه قال لما رأى جرحها: «مقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان». وقيل إنها قالت: يا رسول الله ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة»، فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا. ويُروى أنه أمر ابنها أن يعصب جرحها. وهذه كلها أخبار تُروى في السير وإسنادها لا يخلو من ضعف، ولكن أصل شهودها أحدًا ودفاعها عن النبي ﷺ مشهور عند أهل السير.

— الحديبية وخيبر وحنين — وذكر ابن سعد وابن حجر أنها شهدت بعد أحد الحديبية وعمرة القضاء وخيبر وحنين واليمامة، وكانت تخرج في الغزوات تسقي وتداوي وتقاتل عند الحاجة. وهذا يتفق مع ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس أن النبي ﷺ كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى.

— ابنها حبيب ومسيلمة — ذكر أهل السير أن النبي ﷺ أرسل حبيب بن زيد، ابن أم عمارة، إلى مسيلمة الكذاب برسالة، فجعل مسيلمة يسأله: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: أنا أصم لا أسمع. فجعل يقطّعه عضوًا عضوًا حتى مات، كلما سأله أجاب بالجواب نفسه. وقيل إن حبيبًا قُتل في عهد النبي ﷺ، وقيل بعده، وهذا الخبر تفرّد به أهل السير ولم أقف على إسناد صحيح له، فنرويه على أنه خبر مشهور، والثابت أن مسيلمة ادعى النبوة وقاتله الصحابة في اليمامة سنة اثنتي عشرة.

— اليمامة — خرجت أم عمارة مع جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمامة في خلافة أبي بكر. وتذكر الكتب أنها قالت: لا أرجع حتى أقتل مسيلمة أو أقتل دونه، وأن يدها قُطعت في المعركة وجُرحت اثني عشر جرحًا. وذكر ابن سعد أنها كانت تقاتل في حديقة الموت. ثم رجعت إلى المدينة، وذكر ابن سعد أن أبا بكر كان يكرمها ويسأل عنها. وثبت في صحيح البخاري أن وحشي بن حرب رمى مسيلمة بحربته، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف.

— الدروس — ومشاركة النساء في الغزو بالسقي والمداواة ثابتة في الصحيحين، والدفاع عند الحاجة معروف من أخبار الصحابيات. وأم عمارة تبقى مثالًا لامرأة عاشت إيمانًا عمليًا، من البيعة في العقبة، إلى الذب عن النبي ﷺ يوم أحد، إلى حرب الردة. ولم يُحفظ لنا تاريخ وفاتها بدقة، وتُوفيت بعد حرب الردة في خلافة أبي بكر أو بعدها.

العبرة

الدفاع عن الحق قد تتصدى له أضعف الأيدي حين يتخاذل الرجال، ومن بايعت على النصرة وفت بالعهد حتى آخر العمر.

المصدر: سيرة ابن إسحاق (بيعة العقبة)؛ مسند أحمد؛ جامع الترمذي: التفسير، الصوم؛ سنن ابن ماجه؛ صحيح مسلم: الجهاد؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ الإصابة لابن حجر؛ سورة الأحزاب (35)

الدرجة: شهودها العقبة صحيح من حديث كعب بن مالك؛ وحديث الترمذي في السؤال والصائم حسن؛ وتفاصيل بلائها في أحد واليمامة وقصة حبيب مأخوذة من السير وفي الواقدي كلام، فيُستأنس بها ولا يُجزم بألفاظها.