— من هي الخنساء؟ — هي تُماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية، من بني سليم، المعروفة بالخنساء. شاعرة مخضرمة عاشت في الجاهلية ثم أدركت الإسلام فأسلمت. وسُميت بالخنساء لقِصَر في أنفها أو لحسنها كالظبية على اختلاف أهل اللغة. وقد ذكر ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء أنها أشعر النساء. وتبقى مرثياتها لأخويها معاوية وصخر من أبلغ ما قيل في الرثاء في الأدب العربي.
— أخوها صخر ومراثيها — قُتل أخوها معاوية في معركة بين قبيلتها وبين بني مرة، وأصيب أخوها صخر بطعنة في غارة على بني أسد، فلم يزل مريضًا حتى مات بعد حول. فبكتهما كثيرًا، ومن أشهر ما قالته في صخر قولها: «وإن صخرًا لتأتمّ الهداة به كأنه علم في رأسه نار». وقولها: «يذكّرني طلوع الشمس صخرًا وأذكره لكل غروب شمس». وقولها: «فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي، وما يبكون مثل أخي، ولكن أعزّي النفس عنه بالتأسي». وهي أبيات مشهورة في ديوانها وفي كتب الأدب، وإن لم تكن من باب الحديث.
— قدومها على النبي ﷺ — ذكر ابن عبد البر وابن سعد وابن حجر أنها وفدت مع قومها بني سليم على رسول الله ﷺ فأسلمت. وذكرت كتب التراجم أن النبي ﷺ كان يستنشدها ويعجبه شعرها، فتنشده وهو يقول: «هيه يا خنساء» ويومئ بيده. وهذا الخبر أورده ابن عبد البر في الاستيعاب ولم أقف له على إسناد قوي، فنذكره على سبيل المشهور في التراجم لا الصحيح.
ويمكن أن يقال إن الإسلام لم يمنع الشعر المباح، بل ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ استنشد الشريد بن سويد الثقفي من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مئة بيت وهو يقول: «هيه»، وقال: «إن كاد ليسلم». فاستنشاد الشعر الحسن المشتمل على الحكمة ثابت. وفي سورة الشعراء بعد ذم الغاوين استثناء ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾، وفي صحيح البخاري قوله ﷺ: «إن من الشعر حكمة». وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». فالإسلام لا يحارب الشعر، وإنما يقوّمه ويحرر صاحبه من الباطل.
— الحزن والصبر في ميزان الإسلام — جاء الإسلام ليهذّب مشاعر الحزن لا ليلغيها. قال تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». وفي صحيح مسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». ومع ذلك فقد ثبت أن النبي ﷺ دمعت عيناه عند موت ابنه إبراهيم وقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». فالدمع الرحيم مقبول، والنياحة والجزع مرفوضان. وهذا المعنى هو ما انتقلت إليه الخنساء بعد إسلامها: صبر واحتساب عند فقد أولادها.
— القادسية — شهدت الخنساء معركة القادسية سنة أربع عشرة أو خمس عشرة أو ست عشرة على اختلاف الروايات، ومعها أبناؤها الأربعة. وتذكر المصادر، ومنها أسد الغابة لابن الأثير والإصابة لابن حجر، أنها وعظتهم في ليلة المعركة وقالت لهم: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم. واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية. وقرأت عليهم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. ثم أمرتهم أن يغدوا إلى قتال عدوهم مستبصرين وأن يتقدموا حين تشتد الحرب. فخرجوا فقاتلوا حتى قتلوا جميعًا. فلما بلغها الخبر قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم والتاريخ، ولكن لم أقف على إسناد متصل لألفاظها، فهي تروى على أنها من أخبار السير والتاريخ لا من الصحيح. ويبقى المعنى معروفًا: أنها صبرت وربّت أبناءها على التضحية.
— عطاء عمر لها — ذكر ابن الأثير وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعطيها أرزاق أولادها الأربعة حتى قُبض، أي أنه أجرى لها عطاء أبنائها الذين ماتوا شهداء. وهذا من إكرام الدولة الإسلامية لأمهات الشهداء، وهو أيضًا من أخبار التراجم التي لا تُنقل بإسناد قوي.
— ابنها العباس بن مرداس — ذكر أهل التراجم أن للخنساء ولدًا هو العباس بن مرداس السلمي، شاعر مخضرم شهد حنينًا. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين عطايا كبيرة، وأعطى العباس بن مرداس دون ذلك، فقال أبياتًا يعاتب بها، منها قوله: «أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع». فأتم له رسول الله ﷺ مئة من الإبل. وفي هذا أن الشعر كان في هذه الأسرة ميراثًا، وأن النبي ﷺ تألّف الشاعر ولم يعنّفه.
— وفاتها — توفيت الخنساء رضي الله عنها في البادية في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة أربع وعشرين على المشهور، وقيل غير ذلك. وكانت تُعد مثلًا في الصبر والجَلَد في الإسلام بعد أن كانت مثلًا في الجزع في الجاهلية.
