— من هي أم أيمن؟ — هي بركة بنت ثعلبة بن عمرو الحبشية، مولاة النبي ﷺ وحاضنته، تُكنى أم أيمن باسم ابنها أيمن من زوجها الأول عبيد بن زيد الخزرجي. وكانت جارية لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ، ورثها النبي ﷺ عن أبيه، كما ذكر ابن سعد وغيره. ثم أعتقها لما تزوج خديجة على بعض الروايات. وتزوجت بعد ذلك زيد بن حارثة رضي الله عنه فولدت له أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله ﷺ.
— رعاية اليتيم — لما توفي والد النبي ﷺ قبل ولادته، ونشأ يتيمًا، كانت أم أيمن ممن عاش قربه وتولّى رعايته. قال تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى﴾. وفي السيرة أن آمنة أم النبي ﷺ سافرت به وهو ابن ست سنين تقريبًا إلى المدينة ومعها أم أيمن لزيارة أخواله من بني عدي بن النجار، ثم رجعا فماتت آمنة في الأبواء، وحملت أم أيمن الطفل إلى مكة وسلّمته إلى جده عبد المطلب، كما رواه ابن إسحاق. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكّر الموت». فكانت أم أيمن شاهدة على أحزان تلك الطفولة.
— عبارات مروية في السير — ويُروى في السير على لسان النبي ﷺ أنه قال: «أم أيمن أمي بعد أمي»، وقال أيضًا: «هذه بقية أهل بيتي». وهذه العبارات تُذكر في الطبقات وأسد الغابة بلا إسناد قوي، فلا نعتمدها نصًّا، لكن معناها منسجم مع ما ثبت من مكانتها عنده في الصحيح.
معنى الإيواء في سورة الضحى
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى﴾ إن المعنى أن الله وجد محمدًا ﷺ يتيمًا فآواه، وقد مات أبوه وهو حمل أو بعد ولادته بأشهر على الخلاف، ثم ماتت أمه وهو ابن ست سنين، فكفله جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب. وذكر أهل السير أن أم أيمن ممن رعاه صغيرًا ورافقه في رحلة المدينة ثم لازمت بيته بعد أن كبر. فهي سبب من الأسباب التي هيّأها الله لإيوائه، وإن كان الإيواء الحقيقي من الله وحده.
— نخل أنس وإصرار أم أيمن — روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم ما كانوا أعطوه. قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: كلا والذي لا إله إلا هو لا يعطيكهم وقد أعطانيها. فقال نبي الله ﷺ: «يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا». وتقول: كلا والذي لا إله إلا هو. فجعل يقول: «لك كذا» حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله. وفي الحديث تلطف النبي ﷺ معها وحرصه على إرضائها، وأنها كانت تتحدث إليه بدالّة المحبّة.
— بكاؤها لانقطاع الوحي — وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما انتهينا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. فكان فهمها أن أعظم المصائب انقطاع خبر السماء، لا مجرد غياب الحبيب، وقد أفردنا لهذه القصة موضعًا.
كيف يفهم العلماء خبر الزيارة
ذكر النووي في شرح صحيح مسلم من فوائد هذا الحديث استحباب زيارة أهل الخير والفضل ومن كان أهل الخير يزورونه، والبقاء على صلة من كان النبي ﷺ يصلهم بعد وفاته، وفيه جواز البكاء حزنًا على فقد الصالحين، فإنه ليس من النياحة المنهي عنها. وأما قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لها: ما عند الله خير لرسوله، فهو تسلية صحيحة، ولكن جواب أم أيمن كشف أن الحزن ليس على الشخص وحده، بل على حياة الوحي التي كان الناس يعيشونها بوجوده. ويقرّب ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
— ابنها وزوجها — زوجها زيد بن حارثة هو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صراحة في القرآن، في سورة الأحزاب. وابنها أسامة بن زيد كان النبي ﷺ يحبه ويقول: «اللهم إني أحبه فأحبه» كما في الصحيحين. وابنها أيمن بن عبيد، ذكر أهل التراجم أنه استشهد في بعض الغزوات، وقيل في حنين.
من الصبر على فقد الأحبة
عاشت أم أيمن رضي الله عنها مصائب متتالية في أحبّتها: فقدت صاحبها النبي ﷺ ولم يبقَ لها منه إلا الذكرى. وسبقها زوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه شهيدًا في مؤتة سنة ثمان للهجرة، وقد أمّره النبي ﷺ على الجيش وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة» كما في صحيح البخاري. وأخذ ابنها أسامة مكانة والده في قلب النبي ﷺ، فلما اشتد مرض النبي ﷺ أمّره على جيش إلى الشام، وطعن بعض الناس في إمارته، فقال ﷺ كما في صحيح البخاري: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعدي». ولم يُنقل عن أم أيمن كلام في ذلك، وإنما يُذكر هنا لبيان أن بيتها كان بيت زيد وأسامة، وأن شهادة النبي ﷺ لزوجها وابنها في أصح الكتب بقيت في سيرة هذه الأسرة.
— آخر عمرها — اختلف في وفاة أم أيمن رضي الله عنها: فذكر ابن سعد أنها توفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر أو ستة، وذكر بعض أهل السير أنها عاشت إلى خلافة عثمان رضي الله عنه، ولم يُجزم بشيء. والظاهر من خبر مسلم أنها بقيت بعد وفاة النبي ﷺ زمنًا. ويبقى ما ثبت في الصحيح هو أعظم ما يُعرف بها: خدمة النبي ﷺ في طفولته، ومكانتها عنده، وبكاؤها على انقطاع الوحي.
