Islamic MixIslamic Mix
‹ الصحابيات وأمهات المؤمنين
الصحابيات وأمهات المؤمنينموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

سمية بنت خياط: أول شهيدة في الإسلام وأم عمار

سمية بنت خياط رضي الله عنها

— من هي سمية؟ — هي سمية بنت خياط، أم عمار بن ياسر رضي الله عنهم، كانت مولاة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي. وياسر والد عمار رجل جاء من اليمن يطلب أخًا له، وأقام بمكة حليفًا لأبي حذيفة، فزوّجه أبو حذيفة جاريته سمية، فولدت عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، ويُعد ياسر وسمية وعمار من السابقين إلى الإسلام. هذا ما ذكره ابن إسحاق وابن سعد وأهل السير.

— أول من أظهر إسلامه — روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد آتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. والحديث حسّنه العلماء. وفي هذا بيان أن أسرة آل ياسر كانت من أول من أظهر الإسلام فتحمّلوا أشد العذاب.

— العذاب والبشارة — كان بنو مخزوم يخرجون آل ياسر إلى الأبطح في حرّ الظهيرة فيعذّبونهم برمضاء مكة. وفي رواية رواها الحاكم والطبراني، وصححها الألباني بشواهدها، أن النبي ﷺ كان يمر بهم وهم يعذبون فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وذكر ابن سعد عن مجاهد وغيره أن سمية لم تُعطهم ما أرادوا، وأن أبا جهل طعنها بحربة فماتت، فكانت أول شهيدة في الإسلام. وقد ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة نقلًا عن مجاهد. وياسر مات تحت العذاب كذلك على ما ذكره أهل السير.

وخبر استشهاد سمية على يد أبي جهل مشهور في كتب السير والتراجم، وهو من المراسيل يقوّي بعضها بعضًا، فنرويه مع التنبيه على ذلك.

— عمار بين الإكراه والثبات — أما ابنها عمار رضي الله عنه فقد أُكره حتى قال بلسانه ما أراد المشركون من كلمة الكفر، فجاء إلى النبي ﷺ يخبره. وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. قال ابن كثير: ذكر المفسرون أنها نزلت في عمار، ورواه عن ابن عباس. وروى البيهقي والحاكم وغيرهما مرسلًا أن النبي ﷺ سأله: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًّا بالإيمان. قال: «إن عادوا فعد». وفي الآية دلالة على جواز التقيّة بالقول عند الإكراه الشديد إذا بقي القلب مطمئنًا، وقد قال ابن كثير: أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما فعل بلال رضي الله عنه. فكانت أمه سمية من اختار العزيمة، وكان ابنها عمار ممن اختار الرخصة، وكلاهما على الحق.

سنة الله في الابتلاء

لم يكن ما أصاب آل ياسر غريبًا عن سنن الله في أهل الإيمان، فقد قال تعالى: ﴿أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون﴾، وقال في سورة البروج عن أصحاب الأخدود: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾. وروى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله». ففي هذا الحديث الصحيح قاعدة نبوية تُفسّر حال سمية وأشباهها: العذاب في سبيل الله ليس علامة غضب، وإنما هو طريق المؤمنين قبلنا، والعاقبة للمتقين.

ما الذي نتعلمه من سمية

لا يُنقل عن سمية رضي الله عنها كلام مأثور في عذابها، ولا ينبغي أن نؤلف لها كلامًا لم يرد. وأعظم ما يُذكر لها أنها مولاة لا جاه لها ولا عشيرة تمنعها، ومع ذلك لم تدفعها قسوة سادة قريش إلى ترك الدين. وفي ذلك أن الثبات ليس خاصًّا بالأقوياء والرؤساء، فإن أتباع الأنبياء في الغالب من الضعفاء، كما حكى الله عن قوم نوح عليه السلام أنهم قالوا: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾، وكما سأل هرقل أبا سفيان فقال: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال: وهم أتباع الرسل، كما في صحيح البخاري.

— عمار بعد أمه — عاش عمار رضي الله عنه بعد أمه ثباتًا وجهادًا. فقد وردت له مناقب ثابتة في الصحيح، منها أن النبي ﷺ قال: «ما خُيّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما» رواه الترمذي وغيره، وقال: «عمار ملئ إيمانًا إلى مشاشه» رواه النسائي وابن ماجه، وصحّحه الألباني. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: لما بنى النبي ﷺ المسجد كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار». وقد قُتل عمار رضي الله عنه في معركة صفّين سنة سبع وثلاثين للهجرة وقد جاوز التسعين على ما ذكره أهل السير، وعدّ أهل العلم قول النبي ﷺ فيه من أعلام النبوة.

— أثر الدم الأول — وروى بعض أهل السير أنه لما قُتل أبو جهل يوم بدر قال النبي ﷺ لعمار: «قتل الله قاتل أمك». وهذه الرواية لا تصح بإسناد قوي، وإنما يذكرها أهل السير. لكن الذي يصح أن أبا جهل قُتل ببدر، وأن الله نصر دينه بعد أن سُفك أول دم للمؤمنين، وأن الله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.

— لماذا تُعد أول شهيدة؟ — حين نقول إن سمية أول شهيدة في الإسلام، فالمراد أول من قُتل ثباتًا على الدين من المؤمنين والمؤمنات في مكة، وهو قول مشهور عند أهل السير والتراجم. والمهم أن سمية قدّمت أغلى ما تملك من أجل عقيدتها، وهي امرأة مولاة ضعيفة في ميزان الجاهلية، فرفعها الله في ميزان السماء.

وقد أنزل الله فيمن ثبتوا: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾، وفي الحديث الصحيح «من قُتل دون دينه فهو شهيد» رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن زيد. فهذه سنة الله في أهل الثبات، لا يضيع أجرهم ولا يُنسى ذكرهم.

العبرة

الثبات على الدين تحت أقسى العذاب يرفع الضعيف إلى أعلى المراتب، ومن جعل الله غايته هان عليه كل أذى.

المصدر: مسند أحمد؛ سنن ابن ماجه؛ سنن الترمذي؛ سنن النسائي؛ المستدرك للحاكم؛ صحيح البخاري: الصلاة (بناء المسجد)؛ سيرة ابن إسحاق؛ الطبقات لابن سعد؛ الإصابة لابن حجر؛ تفسير ابن كثير (النحل 106)؛ سورة آل عمران (169)؛ صحيح البخاري: المناقب (حديث خباب) وبدء الوحي (حديث هرقل)؛ سور العنكبوت (2) والبروج (8) وهود (27)

الدرجة: حديث ابن مسعود في أول من أظهر إسلامه حسّنه العلماء؛ وخبر استشهادها عند أهل السير وأسانيده مراسيل؛ ورواية (صبرًا آل ياسر) ثابتة بشواهدها؛ ورواية بدر (قتل الله قاتل أمك) لا تصح. وحديثا خباب وهرقل في صحيح البخاري.