من هي الرُّبَيِّع؟
هي الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن الحارث بن رفاعة الأنصارية النجارية، من الصحابيات الجليلات، وقد عُرفت برواية الحديث. وأبوها معوّذ بن الحارث يُعرف بابن عفراء نسبة إلى أمه، وهو من الأنصار الذين شهدوا بدرًا واستشهد فيها كما ذكر أهل السير. ولهذه الأسرة ذكر خاص في معركة بدر؛ ففي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه كان واقفًا في الصف يوم بدر فإذا هو بين غلامين من الأنصار، فغمزه أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرتُ أنه يسبّ رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. ثم غمزه الآخر فقال مثلها، فلما رآه عبد الرحمن يجول في الناس أشار إليه، فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم أخبرا رسول الله ﷺ فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد: أنا قتلته. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله». وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر هو معاذ بن عفراء في رواية البخاري، وذكر ابن إسحاق أنه معوّذ بن عفراء، والاختلاف بين معاذ ومعوّذ في الروايات معروف عند أهل السير فلا نجزم به. والثابت أن الربيّع ابنة شهيد من شهداء بدر، نشأت في بيت صدق وجهاد.
غداة العرس
روى البخاري عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جُويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: «دعي هذه، وقولي بالذي كنتِ تقولين». ففي هذا الحديث الصحيح أن النبي ﷺ دخل بيت الربيّع يوم عرسها، وأن الجواري ضربن بالدف وغنّين، وأنه أقرّ ذلك، ولم يقرّ أن يوصف بعلم الغيب. وقد قال تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. فالفرح بالعرس والدف مباح، وذكر مآثر الآباء الذين استشهدوا مما أُقرّت عليه الجواري، ولكن اعتقاد علم الغيب في غير الله لا يجوز حتى في حق النبي ﷺ. وقد قال الله تعالى على لسان نبيه ﷺ: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء﴾. وذكر ابن حجر وغيره من الشراح أن النبي ﷺ قال «دعي هذه» لأن علم الغيب مما استأثر الله به، وأقرّها على بقية ما قالت.
صيام عاشوراء وتعليم الصغار
وفي الصحيحين عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه». فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار. وقد قال العلماء إن في الحديث تمرين الصبيان على الصوم ليعتادوه، وأن الأم تتحمل في تربية ولدها شيئًا من الصبر والحيلة.
الغزو مع النبي ﷺ
روى البخاري عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة. فهذه النسوة الأنصاريات لم يكنّ مقاتلات، بل كنّ يقمن بأعمال السقاية والخدمة والإسعاف، وهو ما ذكره العلماء في أبواب الجهاد في حكم خروج النساء مع الجيش للعلاج والسقي. وذكر أهل التراجم أن الرُّبَيِّع شهدت بيعة الرضوان تحت الشجرة بالحديبية، وهو مما تذكره كتب الصحابة، ولم نجده في أحاديث الصحيح بنص صريح، فلا نزيد عليه.
وضوء النبي ﷺ
ومن أعظم ما رُويَ عن الرُّبَيِّع صفة وضوء النبي ﷺ. فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ أن النبي ﷺ توضأ عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته. وفي رواية أنه مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأنه غسل رجليه ثلاثًا. وفي رواية أنه مسح رأسه مرتين بدأ بمؤخره ثم بمقدمه. وقد صحّح أهل العلم هذا الحديث في بعض ألفاظه، وتكلم بعضهم في تفرد عبد الله بن محمد بن عقيل به عن الربيع، وحسّنه آخرون، وهو أصل في مسح الرأس والأذنين. وذكر الترمذي أن حديثها حسن، وأن أكثر أهل العلم يرون مسح الأذنين.
حديث الخلع
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي ﷺ أو أُمرت أن تعتد بحيضة. وفي سنده كلام عند بعض المحدثين، وصحّحه آخرون، وقد استدل به من يرى أن عدة المختلعة حيضة واحدة، وهو قول جماعة من الصحابة والعلماء، وخالفهم آخرون فقالوا ثلاث حيض. فهذه مسألة اجتهادية بين العلماء، وليست موضع قصتنا.
مكانتها عند التابعين
روى عن الرُّبَيِّع جماعة من التابعين، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبد الله بن محمد بن عقيل وغيرهم، وكانت تحدّثهم بما شهدت. وكان بعضهم يأتيها يسألها، وفي ذلك دلالة على أن علم الصحابيات كان مقصودًا للتابعين يرحلون إليه ويدونونه.
وفاتها
لا يُعرف تاريخ وفاة الرُّبَيِّع بنت معوّذ بدقة، فلم تذكر كتب التراجم تاريخًا معتمدًا لوفاتها، فنقف عند ما صحّ من روايتها وسيرتها. وقد كان من أسباب شهرتها أنها ابنة بدري، وأنها صاحبة حديث العرس، وحديث عاشوراء، وحديث صفة الوضوء.
