الفارق بين الأمس واليوم
من أعجب ما ذكره المؤرخون في ترجمة عمر بن عبد العزيز أنه كان قبل الخلافة من أرفه بني أمية عيشًا. يذكر ابن سعد وابن كثير وغيرهما أنه كان ينتقي الثياب الحسنة والطيب الفاخر، وأن حاشيته كانت تغلي بالأطايب. وقد عبّر العلماء عن هذا التحول بأنه ليس تحوّلًا من الفقر إلى الزهد، بل هو تحول من الغنى إلى القناعة، وهو أشق على النفس وأدل على صدقها.
المركب الملكي والبغلة
ذكر ابن كثير وابن عبد الحكم وغيرهما أنه لما فرغ من دفن سليمان بن عبد الملك، قُرّبت إليه مراكب الخلافة المزيّنة التي كانت تُعدّ للخليفة الجديد، فقال: دابتي أوفق لي، وركب بغلته. وكان هذا أول ما عرفه الناس من تبدّل الحال. ولا يقصد من ذكر الخبر مجرد الاقتصاد في المركب، بل ما وراءه: أن مظاهر الأبهة التي تحيط بالخليفة ليست من الدين ولا من لوازم الحكم، وأن الوالي إنما هو مؤتمن على مال الأمة.
الفرش والستور
وذكروا أنه أمر ببيع ما في دار الخلافة من فرش ومتاع زائد عن الحاجة، وأن يوضع ثمنه في بيت مال المسلمين، وأنه بقي في بيته الخاص ولم يسكن دار الخلافة التي كان فيها أهل سليمان، تاركًا لهم إياها. وهذا أيضًا ورد في كتب السير بصورة ملخصة، ولا أعتمد على تفصيل ألفاظ ما قيل عند البيع.
زوجته فاطمة
كانت زوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان من بيت الخلافة نفسه، ومعها حلي كثير، وقد ذكرت كتب السير أنه خيّرها بين الاحتفاظ بحليّها أو البقاء معه، فردّته إلى بيت المال. وللقصة روايات عدة، وقد وردت في إحدى قصص هذه المجموعة بتفصيل. وأهم ما فيها أنه بدأ بأهله قبل أن يبدأ بغيرهم. وروت فاطمة عنه وصفه بالخوف من ربه، وكانت أعرف الناس بخلوته.
نفقته الشخصية
ويذكر ابن عبد الحكم في سيرته وابن الجوزي أنه خفّض نفقة بيته إلى حدّ يسير جدًا، وأنه لم يكن يأخذ من بيت المال إلا بقدر ما يكفيه ككل مسلم، وأنه كان إذا سأله بعض أصحابه أن يزيد قال إنه لا يرى لنفسه أكثر من ذلك. وهذه الأخبار تتكرر في المصادر وإن اختلفت فيها المقادير، فلا أذكر رقمًا بعينه.
كتاب الحسن البصري
ويُروى في كتب الأدب والتراجم أن عمر كتب إلى بعض العلماء يطلب منهم الموعظة والنصيحة، وأن الحسن البصري كتب إليه كتابًا طويلًا ينبهه فيه إلى أن الدنيا دار ممر وأن العدل أصل الحكم. وهذا الكتاب يُنقل في الحلية وغيرها بألفاظ متفاوتة، وفي أسانيده مقال عند المحدثين، فالأسلم أن يُنقل مضمونه ولا يُجزم بألفاظه.
إطلاق المحبوسين وتخفيف المظالم
ويذكر المؤرخون أنه أمر عماله ألا يحبسوا أحدًا بغير حق، وأن يراجعوا حال المحبوسين، وفي ذلك عودة إلى أصل عظيم في الشريعة: أن الأصل في الناس البراءة وأن العقوبة تحتاج إلى بينة. وهذا ما قرره العلماء في كتب القضاء، وقد استدلوا عليه بحديث لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهو حديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ما لا نثبته
درجت بعض الكتب على نسبة أقوال ومحاورات طويلة إلى عمر في هذه الأيام، وذكر مؤلفوها أنها منقولة عن خدمه وأصحابه، ومنها ما فيه مبالغات، كالقول بأن الذئاب كانت ترعى مع الغنم في عهده، وهو خبر يُروى ولا يثبت إسناده، ويُنقل في بعض كتب المناقب. والذي يعتمد عليه من سيرته هو ما دلّت عليه كثرة الروايات وتوافقها: رفع مظالم، وتقليل نفقة، وبساطة عيش، وتقوى.
ميزان الأمانة في المال العام
ويُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف. وقد أورده ابن كثير في تفسير الآية، وهو مأخوذ من قوله تعالى في أموال اليتامى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 6). وقد سار عمر بن عبد العزيز على هذا الميزان وهو من آل الخطاب من جهة أمه، فجعل نفسه كولي اليتيم يتورع عما يملك من الاستمتاع بمال الأمة. وأصل المسؤولية في الإسلام ثابت في الصحيحين من قوله ﷺ: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته. وأما تحذير النبي ﷺ من خطر الحرص على المال والشرف فقد رواه الترمذي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
لماذا يُعتدّ بتحوّله؟
يلاحظ العلماء أن الصدق في الزهد يعرف من أمرين: أن يكون صاحبه قادرًا على الدنيا، وأن يستمر زهده حين لا يراه أحد. وقد روت زوجته فاطمة عنه شدة خوفه من الله في خلوته، وهذا ما يجعل زهده بعيدًا عن التظاهر. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن كل ما نُسب إليه في هذا الباب ثابت التفصيل، فبعض الأخبار فيه مبالغة الرواة، ولكن مجموعها يؤدي إلى معنى لا شك فيه.
الدرس
لقد أحس عمر بن عبد العزيز أن أول ما يُصلح به الراعي رعيته أن يصلح نفسه وأهله، فبدأ بما يملك من مركب وفرش ومتاع وحلي. وكان في ذلك معنى لا يقدر عليه المنظّرون: أن الدعوة بالقدوة أبلغ من الدعوة بالقول.
