Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

فائض بيت المال: وفاء الديون وتزويج العزاب في عهد عمر بن عبد العزيز

عمر بن عبد العزيز وعبد الحميد بن عبد الرحمن

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

رسالة من العراق

من الأخبار التي ينقلها أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز، حوارٌ كتابيّ جرى بين الخليفة وواليه على الكوفة، عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقد كتب عبد الحميد إلى الخليفة أنه أخرج للناس أعطياتهم، وأن في بيت المال مالًا فائضًا. فجاء رد عمر بتوجيه عملي دقيق يعبر عن فهمه لأولويات المجتمع.

الأمر الأول: قضاء الدين

أمره عمر أن ينظر كل من عليه دين ولم يكن ذلك الدين في سفه ولا إسراف، فيقضي عنه. وهذا مقيد بشرط مهم: أن الدين لم يكن في معصية ولا تبذير. وهو أصل شرعي لقوله تعالى في مصارف الزكاة: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، فالغارم هو المدين الذي لزمه دين لمصلحة مباحة أو إصلاح ذات البين. وقد قال كثير من العلماء إن الغارم لمصلحة نفسه يُعطى من الزكاة إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًا في ما سوى الدين لم يُعطَ منها. ولا أقول إن عمر ينقل أحكام الزكاة، فقد كان المال هنا من بيت المال العام لا من الزكاة خاصة، لكن الأصل واحد وهو رعاية المدينين.

الأمر الثاني: تزويج من لا مال له

وفي الرسالة التالية، بعد أن قضى عبد الحميد الدين ووجد المال لا يزال فائضًا، أمره عمر أن ينظر كل بكر لا مال له وأراد الزواج، فيزوجه ويدفع عنه الصداق. وهذا التوجه يتفق مع ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء. فكان الخليفة ينظر إلى توفير الأسباب الشرعية للعفاف، وهو معنى لا يغيب عن الحاكم الصالح.

الأمر الثالث: إعانة أهل الذمة المزارعين

ثم كتب عبد الحميد أنه فعل ذلك كله وما زال في بيت المال فائض، فأمره عمر أن ينظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه، فيُسلفه ما يقوى به على عمل أرضه، وقال في معنى كلامه: فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين. أي أن الدولة لا تنظر إلى أهل الذمة نظرة جباية عابرة، بل تريد أن يبقوا مزارعين منتجين على مدى الأعوام. وقد قرر الإسلام عهد الذمة وحفظه، وثبت في صحيح البخاري من وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يحتضر أنه أوصى الخليفة من بعده بأهل الذمة: أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم.

حدود الاعتماد على هذا الخبر

يجب الانتباه إلى أمور: أولًا أن هذا الخبر يُروى في كتب الأموال والسير بأسانيد وبألفاظ متقاربة، وهو من الأخبار التي تلقاها أهل التاريخ والفقه بالقبول، ولم أقف على تحقيق لسنده يرفعه إلى مرتبة الصحيح. وثانيًا أن مقادير الأموال والتفاصيل المتعلقة بالأرقام تختلف، فلا ينبغي أن يُجزم بشيء منها. وثالثًا أن الاستدلال بالقصة لا يكون إلا على معنى عام هو رعاية الإمام لمصالح الأمة وتقديم الأحوج فالأحوج.

رواية قريبة من إفريقية

ومما يُذكر بجانب هذه القصة خبر يحيى بن سعيد الذي ولّاه عمر على الصدقات بإفريقية، فذكر أنه لم يجد فقيرًا يأخذ الزكاة، فاشترى بها رقابًا فأعتقهم. وهي قصة أخرى ذكرتها في هذه المجموعة، وهي تتفق في الدلالة مع هذه القصة العراقية: أن العدل وحسن التدبير أنتجا حالة من الكفاية العامة. ولا يجوز أن يُظن من هذه الأخبار أن الفقر انعدم من الأرض في كل مكان، وإنما هي أخبار مقيدة بالمكان والزمان، وهي مما يذكره المؤرخون على سبيل التنويه بحسن السيرة.

ما يستفاد منه

أولًا أن للمال العام أولويات: فبعد الأعطيات المقررة للناس يأتي قضاء الديون، ثم الإعانة على العفاف بالزواج، ثم إصلاح حال المزارعين. وثانيًا أن الإمام لا يترك المال راكدًا في الخزائن، وهو معنى قول العلماء إن بيت المال ليس ملكًا للخليفة وإنما هو أمانة لمصالح المسلمين. وثالثًا أن الرفق بالمعاهدين مبدأ إسلامي مؤسس على نصوص صحيحة.

مَن عبد الحميد؟ ولماذا هذه المراسلة مهمة؟

كان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من آل الخطاب، أي من قرابة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وولاه عمر بن عبد العزيز على الكوفة. والمراسلة بين الخليفة والوالي تكشف أسلوب الإدارة في تلك الأيام: والٍ يرفع تقريرًا بالفائض، وخليفة يوجه إلى أبواب الإنفاق بحسب أولوياتها لا بحسب هوى أو قرب.

مصارف المال في القرآن

ومن المفيد أن نتذكر آية مصارف الصدقات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60). وأموال الفيء والخراج ليست هي الزكاة، ولكن العلماء قرروا أن مصارفها أوسع، وأنها تصرف في مصالح المسلمين العامة، فأولى أن يُراعى فيها ما تراعيه الزكاة من حاجة الفقير والغارم. وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية أن الغارمين أصناف، منهم من تحمل دينًا في إصلاح ذات البين، ومنهم من استدان لنفسه في أمر مباح فعجز عن وفائه. ويدخل في هذا ما أمر به عمر من قضاء دين من لم يكن مسرفًا.

ثلاث نتائج يخرج بها القارئ

الأولى أن الغنى العام لا يتحقق بمجرد جباية كثيرة، بل بصرفها في وجهها. والثانية أن الفائض إن وُجد لا يُترك ليتراكم، بل يُوجَّه إلى ما يمس حياة الناس. والثالثة أن النظر إلى أهل الذمة نظرة تعمير لا نظرة استنزاف يقيم الأرض ويحفظ العهد.

الدرس

العدل لا يقف عند ألا تظلم، بل يمتد إلى أن تعمل على قضاء حوائج من في رعايتك قدر استطاعتك. والمال العام أمانة تُصرف في وجوهها، لا غنيمة تُحبس.

العبرة

المال العام أمانة تُصرف أولًا فيما يرفع الحاجة: وفاء الدين، وإعانة على العفاف، والرفق بالمزارع المعاهد، وليس كنزًا يُحبس.

المصدر: الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام (باب ما يلزم الإمام من نفقات)؛ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم؛ تفسير ابن كثير لآية مصارف الصدقات (التوبة)؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن مسعود في الباءة؛ صحيح البخاري: وصية عمر بن الخطاب بأهل الذمة.

الدرجة: مروي في كتب الأموال والسير بأسانيد متقاربة، وتلقاه أهل العلم بالقبول، ولم أقف على تحقيق لسنده يبلغ به الصحة؛ فهو من الأخبار التاريخية المشهورة، والأحاديث المستشهد بها صحيحة، وأرقام الأموال لا تُجزم.