Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

هشام بن عبد الملك: عشرون عامًا من الحزم على الثغور والخلاف في الداخل

هشام بن عبد الملك

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو هشام؟

هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان، ولد نحو سنة اثنتين وسبعين للهجرة، وأمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. وتولى الخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك سنة خمس ومائة، فحكم نحو عشرين سنة حتى توفي سنة خمس وعشرين ومائة في الرصافة من أرض الشام. وهو من أطول خلفاء بني أمية حكمًا، ومن أواخر من حفظ للدولة هيبتها.

صفاته كما وصفها المؤرخون

يصفه ابن كثير وغيره بأنه كان حازمًا عاقلًا، فيه هيبة، ومعروفًا بحفظ المال وتدبيره، وعُرف عنه التشدد في الإنفاق، وبعض المؤرخين وصفوه بالبخل. وفي أخباره أنه كان يتابع أمور عماله بنفسه ويراجع الحسابات، ويكثر من المراسلات. وهذه الأوصاف تُنقل بصيغ عامة في كتب التاريخ، وليس لكل رواية مفردة منها إسناد محقق، فالأولى أن تؤخذ على أنها صورة عامة لا على أنها أخبار مقطوع بها.

الجهاد والثغور

من أشهر ما جرى في زمنه معركة بلاط الشهداء في بلاد الفرنجة سنة أربع عشرة ومائة، قُتل فيها أمير الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي رحمه الله، وهي المعركة المعروفة في المصادر الغربية بمعركة تور. وكانت الجبهة الشمالية الشرقية مشتعلة مع الخزر، وقاتل فيها قادة منهم الجراح بن عبد الله الحكمي ثم مروان بن محمد الذي صار آخر خلفاء الأمويين. وجرت غزوات الصيف والشتاء على الروم في آسيا الصغرى، ووقعت هزيمة للمسلمين في آسيا الصغرى نحو سنة اثنتين وعشرين ومائة. وأما بلاد ما وراء النهر ففيها قتال مع الترك وصراعات داخلية في خراسان. وهذا الإجمال ذكره ابن كثير والطبري، وتتفاوت الأحداث في التفاصيل.

ما اشتدت به الفتن

لم يخل عهده من اضطراب: ففي المغرب ثار البربر سنة اثنتين وعشرين ومائة بعد سوء سيرة بعض الولاة، فوقعت وقعة الأشراف التي قُتل فيها عدد من كبار قادة المسلمين. وفي الكوفة خرج زيد بن علي بن الحسين سنة اثنتين وعشرين ومائة ثم قُتل. وكانت الدعوة العباسية تنتشر سرًّا في خراسان في عهده. وحدثت الفتن الداخلية، وعُزل خالد بن عبد الله القسري عن العراق سنة عشرين ومائة، ثم أصابه بعد ذلك من السجن والقتل ما ذكره المؤرخون في الأيام التي تلت وفاة هشام. وقد نبه المؤرخون إلى أن هشامًا كان يتشدد في العزل والمحاسبة، وهذا يُذكر له أحيانًا وعليه أحيانًا.

هشام والزهري

كان الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قريبًا من الأمويين، وقد علّم أبناء هشام، وكان يملي على كاتبه ما يحدثه به. وقد أُفردت قصة في هذه المجموعة عن خبر إملائه. وفي هذا القرب بين العالم والسلطان فائدة علمية عظيمة، فإن كثيرًا من السنن حُفظت بواسطة هذه الدواوين. ومن الأخبار المشهورة عن مواقف العلماء مع هشام أن طاووس بن كيسان وُصف بأنه دخل على بعض الخلفاء الأمويين فلم يخاطبه بإمرة المؤمنين، ووعظه موعظة بليغة. وقد ذكر أبو نعيم في الحلية مثل هذا الخبر مع هشام ومع سليمان بن عبد الملك، والرواية في تعيين الخليفة مضطربة، فلا يجزم بأنه هشام بعينه.

أخبار الفرزدق وزين العابدين

من الأخبار المشهورة في كتب الأدب أن هشامًا حج قبل خلافته، فلم يستطع الوصول إلى الحجر الأسود لازدحام الناس، وأن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما جاء فتفرق له الناس، فسأل أهل الشام من هذا؟ فأنشد الفرزدق قصيدته المشهورة: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته. فغضب هشام وحبس الفرزدق، فكتب الفرزدق أشعارًا في هجائه. وهذا الخبر مشهور في الأغاني وغيره، ولم يثبت عند المحدثين بسند صحيح، وقد شكك فيه بعض المؤرخين لاختلاف الروايات في هوية الحاج الأموي المذكور، فهل هو هشام أو سليمان أو الوليد؟ فينبغي ألا يُعتمد عليه.

الميزان

لا يُعد هشام في مقام عمر بن عبد العزيز عدلًا وزهدًا، لكنه لم يكن ظالمًا في الجملة كما كان بعض ولاته. ويُنظر إليه عند المؤرخين على أنه آخر خلفاء الأمويين الأقوياء، وأن الدولة بعده أخذت في الاضطراب السريع حتى سقطت بعد نحو سبع سنوات من وفاته.

عصر العلماء

عاش في خلافة هشام ومحيطها جيل كبير من أئمة التابعين وأتباعهم؛ فقد توفي الحسن البصري ومحمد بن سيرين سنة عشر ومائة، وتوفي عطاء بن أبي رباح نحو سنة أربع عشرة ومائة، ونافع مولى ابن عمر وقتادة بن دعامة نحو سنة سبع عشرة ومائة، وتوفي الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، وفيها كان أبو حنيفة النعمان في شبابه بالكوفة. وهذه الأرقام تقريبية بحسب ما اشتهر عند أهل التراجم. وفي هذا العصر ازدهر علم الحديث والتفسير والفقه، وإن كانت الدولة نفسها تعاني. فالمقارنة بين قوة السلطان وقوة العلم تدل على أن حياة الأمة تقوم على العلم والعدل لا على الجند وحدهم.

الدرس

الحزم والقوة وحدهما لا يبنيان دولة تبقى، فالعدل والرفق بالرعية والتخير في العمال هو ما يطيل أعمار الدول. ومن أراد دراسة الخلفاء فعليه ألا يقتصر على الصور المثالية أو الصور السوداء، بل يقرأ أحوالهم بميزان الإنصاف والأسانيد.

العبرة

الحزم وحده لا يبقي دولة دون عدل ورفق بالرعية واختيار حسن للولاة، والإنصاف في التاريخ يقتضي التحرز من الأخبار غير المسندة.

المصدر: البداية والنهاية لابن كثير (حوادث سنوات 105-125هـ)؛ تاريخ الطبري؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ حلية الأولياء لأبي نعيم (ترجمة طاووس)؛ الأغاني للأصفهاني (خبر الفرزدق).

الدرجة: مشهور في كتب التاريخ مجملًا، وأوصافه وتفاصيل بعض الوقائع متفاوتة الروايات؛ وخبر الفرزدق وزين العابدين مشهور في كتب الأدب ولم يثبت بسند صحيح وفي نسبته إلى هشام خلاف؛ ونسبة موقف طاووس إليه بعينه غير محررة.