نسبه ونشأته
هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي، ثاني خلفاء بني العباس. ولد نحو سنة خمس وتسعين للهجرة في الحميمة من أرض الشام التي كان فيها بنو العباس، وأمه أم ولد بربرية تسمى سلامة على ما ذكره المؤرخون. ولقب بالمنصور، وكان أخوه أبو العباس السفاح أول خلفاء الدولة العباسية. وتولى المنصور الخلافة سنة ست وثلاثين ومائة بعد وفاة أخيه، وكان حينها في طريقه إلى الحج.
تثبيت الدولة بالدم
يجب على من يكتب عن المنصور أن يذكر الأمرين معًا: نجاحه في بناء الدولة وما صاحب ذلك من دماء. فقد واجه في أول عهده خروج عمه عبد الله بن علي الذي ادعى الخلافة لنفسه، فبعث إليه أبا مسلم الخراساني فهزمه عند نصيبين سنة سبع وثلاثين. ثم قتل المنصور أبا مسلم نفسه في العام نفسه، كما ذكر الطبري وابن كثير، ويرى المؤرخون أنه خشي منه على الدولة. وهذا القتل من أكثر ما ينتقد به المنصور عند أهل التاريخ، وقد اختلفت في تقويمه الأنظار.
ثم خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية في المدينة سنة خمس وأربعين ومائة، وخرج أخوه إبراهيم في البصرة، فقتلا في العام نفسه بعد معارك قادها عيسى بن موسى. ويذكر المؤرخون أن جماعة من أهل المدينة تعاطفوا مع محمد بن عبد الله، وينقل عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله فتواه بأن بيعة المكره لا تلزم، وأنه ضُرب بعد ذلك بسنة أو سنتين في ولاية جعفر بن سليمان على المدينة. والذي أحرره هنا أن الأخبار في سبب الضرب تتباين بين من يربطه بهذه الفتوى ومن يربطه بغيرها، فلا يُجزم فيه بشيء.
بناء بغداد
في سنة خمس وأربعين ومائة بدأ المنصور بناء مدينة بغداد التي سماها مدينة السلام، على دجلة، واختار لها شكلًا مستديرًا، فعرفت بالمدينة المدورة. وذكر الطبري أنه استعان في اختيار وقت البدء بالمنجمين، ومنهم نوبخت. ومن المعلوم أن علم التنجيم المحرم لا يجوز العمل به، وقد روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد. وصحح الحديث بعض أهل العلم. وإيراد المؤرخين لهذا الخبر لا يعني تصويب فعل المنصور.
الأعمدة الأربعة
من أشهر ما يُنقل عن المنصور قوله إن الملك لا يصلح إلا بأربعة: قاضٍ لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، وصاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، ورابعهم، وكان يعض على أصبعه ثم يقول: وما رابعهم؟ هو صاحب البريد، يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وهذا القول مشهور في كتب التاريخ والآداب كتاريخ الطبري وغيره، وإن لم يصلنا بسند معروف الاتصال، فهو يُنقل على أنه حكمة مأثورة عنه تدل على نظرته الإدارية، وليس نصًّا شرعيًّا.
وفي هذا القول معانٍ جليلة: فالقاضي العادل في المقدمة، وإنصاف الضعيف من القوي من وظيفة الشرطة، والخراج يجبى بلا ظلم، وأخبار العمال تُعرف بصدق. ويؤيد الإسلام هذه الأصول، فقد جاء في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
الشدة والاقتصاد
اشتهر المنصور بالحرص الشديد على المال وضبط الإنفاق حتى لُقب بأبي الدوانيق، والدانق جزء صغير من الدرهم، قيل لمحاسبته الدقيقة. ويذكر المؤرخون أنه ترك عند وفاته خزائن عامرة، وتتباين الروايات في مقدارها فلا أذكر رقمًا. وقد وجد من يمدح هذا الحرص بأنه حفظ للدولة ووفر لها ما احتاجت إليه، ومن يذمه بأنه بلغ حدّ الشدة على الناس.
وفاته
توفي المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة في ذي الحجة وهو محرم قاصد الحج، عند بئر ميمونة قرب مكة، ودفن بمكة. وعهد بالأمر إلى ابنه المهدي. وتذكر الروايات وصيته لابنه بالحزم وحفظ الأموال، ولا أجزم بألفاظها.
تقييم أهل العلم
وصفه ابن كثير وغيره بالحزم والهيبة والعلم بالأمور، وذكروا أنه كان فصيحًا عالمًا بالفقه والأدب. ولم يُغفلوا ما وقع في أيامه من قتل واستبداد. وهذا هو المنهج العلمي المنصف: ألا تنكر الحسنات بسبب السيئات، ولا تُنكر السيئات بسبب الحسنات.
سلطان الله في أرضه؟
ينقل الطبري عن المنصور خطبة في الحج أو في مكة يقول فيها بمعنى: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله. ويعلق أهل العلم على هذا النوع من الكلام بأن الحاكم المسلم لا يملك صفة قدسية، وأنه مأمور بالتزام الكتاب والسنة كسائر الناس. وأما الحديث المشهور على الألسنة: السلطان ظل الله في الأرض، فقد رواه البيهقي في شعب الإيمان وغيره، وهو ضعيف الإسناد، فلا يجوز أن يُبنى عليه شيء. والأصل في الإسلام الشورى والمحاسبة، قال الله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). وليس فيما قاله المنصور حجة لنظرية الحق الإلهي في الحكم، وإنما هو من الخطب السياسية المعروفة في تلك الأعصار، ولا نقف على سندها.
الدرس
قيام الملك على العدل والإنصاف والإخبار الصادق نظرية صحيحة، لكنها لا تكفي ما لم يحفظها صاحبها بنفسه، والتاريخ يعلمنا أن الحاكم يُقاس بمدى التزامه بما يقوله هو من حكمة.
