من هو عمرو بن عبيد؟
هو أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب البصري، ولد نحو سنة ثمانين للهجرة وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة، وكان من أهل البصرة، تتلمذ في أول أمره على الحسن البصري رحمه الله، واشتهر بالزهد والعبادة وحسن الكلام، ثم انحاز إلى واصل بن عطاء وصار من رؤوس المعتزلة. وقد عدّه المحدثون ضعيفًا في الحديث بل ربما اتهموه بالبدعة، وتكلم فيه أئمة الجرح والتعديل، في حين شهدوا له بالعبادة والزهد. وليس من غايتنا أن نفصّل مذهبه، ولكن أمانة النقل تقتضي أن لا يُوهَم القارئ أنه كان موضع قبول عند أهل الحديث، بل المقصود هنا موقف تاريخي في الوعظ بين يدي السلطان.
الدعوة والموعظة
يروي الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهما، أن المنصور استدعى عمرو بن عبيد أو قدم عليه عمرو، وكانت بين الاثنين صلة قديمة، فقال له المنصور: عظني. فوعظه عمرو بكلام شديد، ومما يُروى في معناه أنه قال له: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة، وإن هذا الأمر الذي في يديك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك. وذكر في بعض الروايات أنه عدّد له أن العدل أساس الملك، وأنه سيسأل عن رعيته. هذه الألفاظ تنقل بصيغ متعددة، فهي مروية بالمعنى لا باللفظ، ولا يوثق بنصها الحرفي.
وأمر له المنصور بعطاء كبير، فرفضه عمرو، وكرر المنصور أن يأخذه، فقال عمرو ما معناه إنه لا حاجة له فيه. ويروى أن المهدي، وكان يومئذ وليًّا للعهد، كان حاضرًا، فلما خرج عمرو قال المنصور مخاطبًا إياه: كلكم يمشي رويد، كلكم يطلب صيد، غير عمرو بن عبيد. وهذه الجملة مشهورة في كتب الأدب والتراجم، وكثيرًا ما تُنسب للمنصور في هذه المناسبة، وهي من الروايات التي لا أعرف لها إسنادًا محققًا، فتؤخذ على أنها حكاية مشهورة.
الموعظة في ميزان الشرع
لقد جاء في الشرع ما يدل على فضل مثل هذا الموقف. فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. وفي رواية: كلمة حق. وصححه جماعة من أهل العلم وحسنه آخرون. فمن وعظ السلطان وهو يقدر على الأذى بسببه كان له الأجر العظيم إن أخلص، ولا يضره أن تكون له أخطاء في أمور أخرى، لكن ذلك لا يجعله حجة في مسائل الاعتقاد.
وفي هذه القصة معنى آخر وهو أدب الواعظ مع السلطان، فقد قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 43-44). فالتليين في القول مطلوب حتى مع أطغى الطغاة، فكيف بخليفة مسلم؟ والعلماء متفقون على أن النصيحة للأئمة ركن من أركان الدين، كما في حديث تميم الداري في صحيح مسلم: الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
رثاء المنصور له
ولما توفي عمرو بن عبيد في الطريق إلى مكة سنة أربع وأربعين ومائة، ويقال بمران قرب مكة، ورثاه المنصور بأبيات تنسب إليه، مطلعها ما معناه: صلى الإله عليك من متوسد قبرًا مررت به على مران. وهذا مروي في كتب التراجم والأدب، وفي نسبته إلى المنصور بعض الخلاف، فلا أعتمد على كل تفاصيله. وقد علّق بعض أهل العلم على هذه المرثية بأن الدعاء لمن هو على بدعة يكون بحسب الظاهر من حاله، وبأن الحكم على الأعيان موكول إلى الله.
لماذا يهمنا الخبر؟
لأنه يكشف حقيقتين: الأولى أن السلطة المطلقة قد تصغي أحيانًا لمن يصدقها القول، والثانية أن الصدق مع الحاكم لا يتوقف على اتفاق المذهب. ولكن علينا أن نفرق بين الاستفادة من موقف وعظي وبين الاحتجاج بمذهب المعتزلة، فالأول تاريخ وعبرة، والثاني اعتقاد يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة.
آداب نصيحة السلطان
وردت في السنة آداب لمن أراد نصح ذي سلطان، منها ما رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم من حديث عياض بن غنم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبدِه علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه. وقد صححه جماعة من المحدثين المعاصرين. وفي قصة عمرو بن عبيد أنه نصح خاليًا بالخليفة، لا في الملأ، وهذا موافق للأدب النبوي في صورته.
موقف العلماء من هبات السلطان
وأما رفضه عطاء المنصور، فقد اختلف السلف في قبول جوائز الحكام. ثبت في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فيقول: خذه فتموله وتصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك. فأخذ بهذا جماعة، ومنهم من ورع عن عطاء السلطان خوف المنّة أو الشبهة، كما كان يفعل الإمام أحمد رحمه الله في بعض أحواله. فالأمر فيه سعة، والعبرة بحال الآخذ وحال المال.
الدرس
أعظم ما في الموقف أن الواعظ لم يطلب مالًا ولا جاهًا وقال ما عنده، وأعظم منه أن الحاكم احتمل الكلام وسمعه. أما الواعظ المبتدع فلا يؤخذ دينه عنه، ويؤخذ الحق من أي موضع جاء مع بيان ما فيه من باطل.
