من هو المهدي؟
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور، وُلد نحو سنة ست أو سبع وعشرين ومائة. وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية على ما ذكره المؤرخون. بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وكان عمره نحو ثلاثين سنة، وحكم نحو عشر سنين حتى توفي في المحرم سنة تسع وستين ومائة.
لقب المهدي
من المناسب التنبيه إلى أن لقب المهدي هنا ليس المهدي المنتظر الذي ورد ذكره في أحاديث آخر الزمان، فقد روى أبو داود والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصحح أحاديث المهدي جماعة من أهل العلم وضعفها آخرون، ولا يتسع المقام لتفصيل ذلك. المهم أن الخليفة العباسي كان اسمه محمدًا، وأن اللقب كان في زمن التنافس السياسي مع العلويين، كما ذكر بعض المؤرخين، ولا يعني ذلك أنه المهدي الموعود، فقد مات ولم يتحقق شيء من علامات الأحاديث.
أول ما صنع في الحكم
ذكر الطبري وغيره أن المهدي لما تولى أمر الناس أطلق السجناء من سجون أبيه، إلا من كان عليه دم أو مال أو من يُخشى فساده، ورد الأموال التي أُخذت بغير حق، وأمر بمراجعة ما صودر. وهذا من أحسن ما يستفتح به الحاكم عهده، وفيه معنى رد المظالم. وقد ذكر ابن كثير أنه أمر بعدم الأخذ بالتهمة، وأنه كان رحيمًا بالرعية. وهذه الأوصاف تتكرر في المصادر، ويحسن حملها على الجملة لا على كل حادثة.
ديوان المظالم
قال الماوردي في الأحكام السلطانية في الكلام على ولاية المظالم إن من جلس لها من خلفاء بني العباس المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون. أي أن المهدي أحيا سنة النظر المباشر في شكاوى الناس، وهي التي كان عبد الملك بن مروان أول من أفرد لها يومًا في الدولة الأموية. ولم يكن ذلك تنازلًا من الحاكم بل التزامًا بقاعدة شرعية، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). وقد حملت الآية الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، وذكر الطبري في تفسيره أنها عامة في الولاة والرعية.
الحرمان والحج
حج المهدي سنة ستين ومائة، وذكر المؤرخون أنه فرق أموالًا كثيرة على أهل الحرمين، وأمر بتوسعة المسجد الحرام وبعمارات في المسجد النبوي. كما يذكر أنه رتب البريد بين العراق والحجاز واليمن على الإبل والبغال، وبنى المنازل والبرك على الطرق. وهذا ما رواه الطبري وغيره في سياق أخبار تلك السنة، لكن تفاصيله وتواريخه متفاوتة عندهم، فنكتفي بالإجمال.
الزنادقة والاعتقاد
واشتهر عن المهدي حربه على الزنادقة، أي أتباع المانوية وما شابهها ممن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فنصب لهم ديوانًا خاصًّا يقال له ديوان الزنادقة أو صاحب الزنادقة، وكتب الأدب تذكر من أخباره في ذلك الشيء الكثير. وفيما بين أيدينا من الأخبار ما يبرز اهتمامه بحماية العقيدة، وإن كان من الأخبار ما اختلط بالمبالغات، فنقتصر على الإجمال.
صفاته
يذكر المؤرخون أنه كان كريمًا واسع العطاء حسن العشرة محبًّا للصيد، وأنه كان يميل إلى العدل في الجملة، ولم يشتهر عنه ما اشتهر عن أبيه من الشدة. ويروى أنه كان يسمع من أهل الحديث، وقد روى عنه بعضهم. وهذه الصورة متفقة في عمومها في كتب الطبقات.
وفاته
توفي المهدي في المحرم سنة تسع وستين ومائة بماسبذان من أرض الجبل، عن نحو ثلاث وأربعين سنة. واختلف المؤرخون في سبب وفاته: فقيل وهو يطارد صيدًا دخل خربة فدق ظهره بالباب، وقيل إنه أكل طعامًا مسمومًا، وقيل غير ذلك. ولا يمكن الجزم بشيء من هذا. وتولى بعده ابنه موسى الهادي.
ميزان الرعاية في الصحيح
ومن أصول سيرة الحاكم الصالح ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به. وفي صحيح البخاري من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة. فهذا هو الميزان الذي ينبغي أن توزن به أعمال الخلفاء، ومنهم المهدي.
القضاء في عهده
ومن الأحداث ذات الأثر العلمي في عصره أن الإمام أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله تولى القضاء ببغداد في عهد المهدي على ما ذكره ابن خلكان وغيره، ثم ترقى حتى صار قاضي القضاة في عهد الرشيد. وهذا يدل على أن الخلافة العباسية في تلك الأيام فتحت الباب أمام العلماء ليتولوا القضاء، وقد أُفردت قصة لأبي يوسف في هذه المجموعة.
من الإنصاف
ولم يخلُ عهد المهدي من مآخذ ذكرها المؤرخون، منها تقلب بعض مقربيه، فقد ذكر الطبري أن وزيره يعقوب بن داود الذي كان له نفوذ كبير ثم سُجن بعد ذلك، وأن بعض أخبار الزنادقة اختلطت فيها المحاسبة بالظنون. وهذا مما يجعلنا نقرأ المحاسن بميزان العلم لا بميزان الإعجاب.
الدرس
أعظم ما يُستفتح به الحكم عدل ينصف المظلوم ويردّ الحقوق، وجلوس الحاكم للمظالم إقرارٌ بأن السلطة أمانة. ومن دقة العلم أن لا نخلط بين ألقاب السياسة والأخبار الغيبية الصحيحة.
