Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

هارون الرشيد: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه

هارون الرشيد

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الخليفة الذي حكم ثلاثًا وعشرين سنة

هو أبو جعفر هارون بن محمد المهدي، وُلد نحو سنة ثمان وأربعين ومائة بالري، وأمه الخيزران. تولى الخلافة سنة سبعين ومائة بعد وفاة أخيه موسى الهادي، وحكم نحو ثلاث وعشرين سنة حتى توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان عهده من أزهى عهود الدولة العباسية في الحضارة والعلم والغزو، وقد خُلد اسمه في كتب التاريخ والأدب والقصص، وكثير مما يروى عنه في كتب الأدب لا أصل له، فيحتاج القارئ إلى التمييز.

عبادته وصدقته

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن الرشيد كان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات إلا أن تعرض له علة، ويتصدق من ماله الخاص كل يوم بألف درهم. وذكر المؤرخون أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا. وقد أفردت له قصص في هذه المجموعة عن حجه ماشيًا وجوابه لنقفور ومواعظ ابن السماك والفضيل بن عياض. وهذه الأخبار تلقاها المؤرخون ولا أعلم لها أسانيد صحيحة قاطعة، فهي من المشهور الذي يؤخذ مع الحذر.

نكبة البرامكة

ومن أكثر الأحداث غموضًا في تاريخه نكبة البرامكة سنة سبع وثمانين ومائة، حين قتل جعفر بن يحيى البرمكي وسجن أبوه يحيى وأخوه الفضل وصودرت أموالهم. وقد ذكر المؤرخون أسبابًا عدة لهذه النكبة منها الخوف من نفوذهم وتجاوزهم، ومنها قصص أدبية في علاقات خاصة بالقصر لا يوثق بها، وقد شكك فيها كثير من المؤرخين. والمعتمد أنه لم يكن لدى المؤرخين سبب معلوم قطعًا. وقد عدّ بعض أهل العلم هذا الحدث نقطة تحول في حكمه.

ميثاق مكة وولاية العهد

قسّم الرشيد المملكة بين ابنيه الأمين والمأمون وأخذ لهما عهدًا، وذُكر أنه علّق ميثاق ولاية العهد في الكعبة سنة ست وثمانين ومائة. وكان في ذلك بذور الفتنة التي نشبت بين الأخوين بعد وفاته. وهو درس في أن الحاكم الذي يقسم سلطانه بين أبنائه يرتب لهم نزاعًا، وهذا من أخبار التاريخ المشهورة التي ذكرها الطبري وغيره.

آخر رحلة

في سنة اثنتين وتسعين ومائة خرج الرشيد إلى خراسان لإخماد خروج رافع بن الليث بسمرقند، ومعه ابنه المأمون، واشتد به المرض في الطريق، وبلغ طوس فتوفي فيها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، ودفن هناك وكان عمره نحو خمس وأربعين سنة. وقد ذكر الطبري وابن كثير أخبارًا عن مرضه، منها أنه أمر بحفر قبره، وجيء به فنظر إليه وقال ما معناه: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه، متمثلًا بقول الله تعالى في سورة الحاقة عن صاحب الكتاب بشماله: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۝ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (الحاقة: 28-29). وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ، ويبقى القول بها على الظن الراجح لا اليقين.

ما معنى الآية؟

قال ابن كثير في تفسير الآيات إن الكافر أو العاصي يوم القيامة حين يؤتى كتابه بشماله يقول: يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه، أي ضاعت حجتي أو زالت قوتي وملكي. والمعنى أن المال والسلطان لا ينفعان في الآخرة. وإذا صح أن الرشيد قال هذه الآية متمثلًا بها، فهو مقام ندم وخوف، لا مقام جزم بمصيره، فهو ليس من حقنا أن نحكم على مصير أحد. ويبقى هذا الموقف مرآة لخلاصة تجربة حاكم من أعظم حكام عصره.

إنصاف في التقدير

أثنى عليه ابن كثير فقال إنه من خيار الخلفاء، وأنه كان يحب العلماء ويعظم حرمات الإسلام. وفي المقابل نقل الأدباء في كتاب الأغاني وغيره عنه أخبار لهو وغناء ومجون، وكثير من هذه الأخبار مطعون في أسانيدها أو من قصص الأدباء المبالغ فيها، وقد نبه بعض المؤرخين إلى أن كثيرًا من ذلك لا يصح عنه. والمنهج الأسلم أن نأخذ من التاريخ ما صح أو اشتهر عند الثقات، ونتحفظ فيما سوى ذلك.

ابن المبارك في الرقة

ومن الأخبار التي أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء وغيره ما يروى عن قدوم عبد الله بن المبارك إلى الرقة وكان الرشيد فيها، فخرج الناس لاستقباله حتى انقطعت النعال من الزحام وارتفع الغبار، فأشرفت امرأة من أمهات الأولاد من القصر وسألت عن الخبر، فقيل لها: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرطة وأعوان. وهذه الحكاية مشهورة، لكني لا أعرف لها إسنادًا محققًا، فهي تدل في الجملة على مكانة العلماء عند العامة، ولا يجزم بتفاصيلها.

كتاب الخراج

ومن آثار عهد الرشيد العلمية أن أبا يوسف قاضي القضاة ألّف بطلب منه كتاب الخراج، يوجهه فيه في أمور الأرض والمال والجباية بنصائح كثيرة، وقد أفردت له قصة مستقلة. وفي ذلك دليل على أن الخليفة كان يطلب الفقه في إدارة الدولة من العلماء، وإن اختلف الناس في مدى التزامه بما فيه.

الدرس

لا يغني المال والجاه عن صاحبهما ساعة الموت، والموفق من تذكر هذا قبل أن يأتي. وأعظم الدعاء ما كان قبل الغرغرة، فقد قال النبي ﷺ: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رواه الترمذي وحسنه.

العبرة

لا يغني المال ولا السلطان عن صاحبهما عند الموت، والتوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد، ولا نحكم على مصير أحد.

المصدر: تاريخ الطبري (حوادث سنوات 170-193هـ)؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ تفسير ابن كثير لسورة الحاقة؛ سنن الترمذي (حديث إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر).

الدرجة: مشهور في كتب التاريخ، وخبر حفر القبر وتمثله بالآية متداول في كتب التاريخ دون سند محقق؛ وأخبار اللهو المنسوبة إليه في كتب الأدب مطعون في كثير منها؛ والآية قرآنية ثابتة، وحديث الغرغرة حسنه الترمذي.