Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

المأمون ومحنة خلق القرآن: خطأ خليفة وثبات إمام

المأمون وأحمد بن حنبل

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو المأمون؟

هو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد، ولد سنة سبعين ومائة وتولى الخلافة بعد حرب مع أخيه الأمين سنة ثمان وتسعين ومائة، وحكم حتى وفاته سنة ثماني عشرة ومائتين. اشتهر بالعلم وحبه للمناظرة، وقد أخذ عن علماء عصره، وكان يميل إلى علم الكلام. وتأثر بجماعة من المعتزلة منهم بشر المريسي وأحمد بن أبي دؤاد على ما ذكره المؤرخون.

بداية الفتنة

في سنة ثماني عشرة ومائتين، وهو في طرسوس مجاهدًا للروم، أرسل المأمون كتابًا إلى إسحاق بن إبراهيم والي بغداد يأمره فيه بامتحان القضاة والمحدثين في مسألة خلق القرآن، فمن قال إنه مخلوق نجا، ومن امتنع أُمر بحبسه وعُزل من وظيفته وردّت شهادته. فاستجاب كثير من العلماء تحت الإكراه، وصبر آخرون. وذكر المؤرخون أن المأمون أعاد الكتابة مرات بتشدد متزايد. وهذه المحنة من أخطر ما مر بالأمة في العصر العباسي، وهي من أبرز ما ينتقد به المأمون عند علماء السنة، مع إقرارهم بفضله في أمور أخرى.

ما الخلاف في المسألة؟

عقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقد استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164)، وبقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (التوبة: 6)، وبقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) إذ فرق بين الخلق والأمر. أما المعتزلة فقالوا بخلقه، وأرادوا تنزيه الله عن أن يقوم به كلام، فحملوا الناس على قولهم بالقوة. وقد بين الإمام أحمد رحمه الله موقفه بأنه لا يتجاوز الكتاب والسنة، وهو قوله المشهور حين طُلب منه القول بخلقه: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به.

طريق أحمد إلى المأمون

يروي ابنه صالح بن أحمد ومحمد بن حنبل وغيرهما قصة محنة الإمام أحمد. فقد حُمل مقيدًا هو ومحمد بن نوح من بغداد إلى طرسوس ليحضرا بين يدي المأمون، وفي الطريق جاءهم خبر وفاة المأمون، فأعيدا. ومات محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه أحمد. وقد جاء في بعض الروايات أن الإمام أحمد كان يدعو الله ألا يرى المأمون، فاستجاب الله دعاءه. وقد أُفردت قصتان في هذه المجموعة عن وصية محمد بن نوح لأحمد وعن عفو أحمد عن المعتصم. والأخبار في هذا الموضوع مروية في كتب أصحاب أحمد، وهي مشتهرة بين العلماء وإن اختلفت ألفاظها.

موقف المكرهين

من الإنصاف أن نقول إن كثيرًا ممن أجابوا لم يكونوا مبتدعة، بل أكرهوا. وقد قال الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: 106). وذكر أهل العلم أن الإكراه رخصة، والثبات عزيمة، وأن الإمام أحمد اختار العزيمة، ولم ينكر على من أخذ بالرخصة بقدر ما كان يحرص على بيان الحق. وهذا الفرق دقيق.

نظرة العلماء إلى المأمون

يصفه المؤرخون كابن كثير بأنه من أكبر خلفاء بني العباس علمًا وحلمًا وهيبة، لكنه حمل الناس على القول بخلق القرآن، وذكر أنه ارتكب في ذلك خطأً كبيرًا. وذكر الذهبي وغيره في ما معناه أنه كان من أعقل الخلفاء وأعلمهم، وأن ميله إلى علم الكلام وعلوم الأوائل كان من أسباب ما وقع منه في المحنة. وهذا التقويم يجمع بين الإنصاف في المحاسن والصراحة في المساوئ.

مآل المحنة

استمرت المحنة في عهد المعتصم والواثق، ثم رفعها المتوكل نحو سنة أربع وثلاثين ومائتين، وأعاد للسنة مكانتها. وصار الإمام أحمد بعد ذلك علمًا من أعلام الأمة، وذكر الناس مقولة منقولة عن علي بن المديني أن الله أعز الدين بأبي بكر يوم الردة وبأحمد يوم المحنة. وهي مقولة مشهورة تنقل عنه.

الصبر على الفتنة في الكتاب والسنة

قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، وفي صحيح البخاري من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. فكان العلماء يستحضرون هذه الأصول حين ثبتوا. وقد نبه الإمام أحمد نفسه وهو في المحنة إلى أن الأمر ليس مسألة شخصية بل مسألة دين وسنة، ولذلك كان يردد ما معناه أنه لا يريد أن يخالف ما كان عليه من قبله من العلماء.

لماذا قيل إن أحمد ثبت؟

لم يثبت أحمد رحمه الله لأنه كان أقدر من غيره، بل لأنه كان يرى أن الحجة بيّنة، وأن السكوت أو الموافقة بالقول مع علمه بالحق يخلّ بمسؤولية العالم أمام الناس، إذ يقتدي به الناس. وفي ذلك قاعدة معروفة في أصول الدعوة: أن العالم إذا ثبت ثبت الناس بثباته، وإذا زلّ كان زلّه مفتاح فتنة لغيره. ومع ذلك لم يعب أحمد على من أجاب مكرهًا ممن علم صدق إيمانه.

الدرس

الحق لا يتغير بكثرة القائلين ولا بقوة السلطان، والثبات على ما تقرر من الكتاب والسنة مع الصبر قدوة للأمة. والحاكم العالم قد يخطئ خطأً فادحًا إذا حمل الناس على رأي واحد في مسائل العقيدة بالسيف.

العبرة

الحق لا يتغير بقوة السلطان ولا بكثرة القائلين، والثبات على الكتاب والسنة عزيمة، والإكراه رخصة لمن اضطر، وحمل الناس على رأي بالقوة في العقيدة خطأ فادح.

المصدر: تاريخ الطبري (حوادث سنة 218هـ)؛ البداية والنهاية لابن كثير (فتنة القول بخلق القرآن)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة أحمد بن حنبل والمأمون)؛ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي؛ سور النساء والتوبة والأعراف والنحل.

الدرجة: مشهور ثابت في كتب التاريخ وسير أصحاب أحمد في أصله، وقد رواه ابنه صالح وحنبل؛ وتفاصيل الألفاظ والتواريخ متفاوتة؛ ومقولة علي بن المديني مشهورة تنسب إليه ولم أحرر سندها؛ والآيات المستشهد بها من القرآن الكريم.