Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

المأمون وبيت الحكمة: علمٌ يُنقل وعلمٌ يُحذَر منه

المأمون

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

رعاية الخليفة للعلم

اشتهر عن المأمون عبد الله بن هارون الرشيد حبه للعلم والمناظرة والكتب. وقد ذكر المؤرخون كابن كثير والذهبي أنه كان من أعلم الخلفاء، وأن مجلسه كان يضم العلماء والأطباء والمنجمين والمتكلمين، وأنه كان يجلس للمناظرة. وفي عهده بلغت حركة النقل والترجمة إلى العربية ذروة نشاطها، وانتعشت دار الحكمة أو بيت الحكمة ببغداد، وهي مكتبة ومركز علمي كان قد بدأ نواته في عهد جده المنصور وأبيه الرشيد، وتوسع في عهده. والتفصيل الدقيق لنظام هذه الدار وموظفيها مما اختلف فيه الباحثون، فلا أجزم به.

العلوم التي ازدهرت

من أشهر علماء عصره محمد بن موسى الخوارزمي صاحب كتاب الجبر والمقابلة، وقد ذكر في مقدمته أن المأمون شجعه على تأليفه ليكون في متناول الناس في المواريث والمعاملات والمقاسمات، وهذا يدل على صلة العلم بحاجات الفقه والمجتمع. وأنشئ في عهده مرصدان، أحدهما في بغداد بالشماسية والآخر على جبل قاسيون بدمشق، وراقب علماء الفلك فيهما حركات الكواكب. كما يذكر ابن خلكان وغيره أن بني موسى بن شاكر بأمر المأمون قاسوا درجة من محيط الأرض في صحراء سنجار، وهذه من الأخبار المشهورة في تاريخ العلوم، وتفاصيل الأرقام فيها متفاوتة فلا أنقل رقمًا.

العلم في الميزان الشرعي

قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28). وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة. وقد رأى كثير من العلماء أن العلوم النافعة للدنيا، كالطب والحساب والفلك والهندسة، من فروض الكفاية التي يجب أن يوجد في الأمة من يقوم بها، وهذا ما قرره الغزالي وغيره. ومن هنا كانت رعاية المأمون لهذا النشاط مما يحمد له من حيث الأصل.

حكمة الضالة وتنبيه على ضعفها

يشيع على الألسنة في هذا الباب حديث: الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها. وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف الإسناد عند جمهور المحدثين، قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. فلا ينبغي أن يُستدل به على جواز نقل كل علم، وإنما الأصل أن يُنظر في كل علم بميزان الشرع فيؤخذ ما وافق الحق ويترك ما خالفه. وهذا هو الموقف المتوازن.

وجه الإشكال

إن حركة الترجمة جلبت معها علوم الفلسفة اليونانية والمنطق وبعض الأفكار الإلهية، وقد اختلف علماء الأمة في أثرها. فرأى بعضهم أنها أدخلت على المسلمين شبهات ومناهج كلامية أنتجت فتنًا في العقيدة، ومنها فتنة خلق القرآن التي تبناها المأمون نفسه، وقد ألف ابن تيمية وغيره في نقد المنطق اليوناني، وحذّر الإمام الشافعي رحمه الله من علم الكلام تحذيرًا شديدًا نقل عنه. ورأى آخرون أن الاستفادة من علوم الطب والحساب والفلك كانت نافعة، وأن المشكلة في العلوم الإلهية الفلسفية خاصة. وهذا الخلاف لا يُحسم في هذا الموضع، لكنه يوضح أن فتح الباب على العلوم يحتاج إلى حراسة العقيدة.

حكاية الحلم بأرسطو

ويذكر ابن النديم في الفهرست أن المأمون رأى في المنام رجلًا أبيض مشربًا بحمرة جالسًا على سريره فسأله من أنت، فقال أرسطاطاليس، فكان ذلك سببًا في إقباله على كتب الفلسفة. وهذه الحكاية من الأخبار الأدبية التي لم تثبت بسند، وهي أقرب إلى الأسطورة التاريخية، ولا يجوز بناء حكم عليها، وفي الرؤيا لا يُؤخذ حكم شرعي أصلًا.

جلوسه للمظالم

وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية أن المأمون كان ممن جلس للمظالم من الخلفاء العباسيين، وروى الخطيب البغدادي وغيره أخبارًا عن حرصه على سماع شكاوى الناس بنفسه في يوم محدد من الأسبوع. وهذا العمل مما يُحمد عليه، وتفصيل الروايات يحتاج إلى تحقيق.

وفاته

توفي المأمون سنة ثماني عشرة ومائتين في موضع يقال له البديندون قرب طرسوس وهو يغزو الروم، وله ثمان وأربعون سنة تقريبًا. وتذكر كتب التاريخ أنه في آخر لحظاته قال ما معناه: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. وهذه الكلمة مشهورة، ولم أقف على إسناد محقق لها. وكان قبل موته قد أوصى بالخلافة لأخيه المعتصم.

ثمرات تلك النهضة

من أبرز من عمل في عهده أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف، وقد عمل في بلاطه ثم بلاط المعتصم، وكذلك الخوارزمي في الرياضيات والجغرافيا، وله كتاب صورة الأرض. ومن نتائج حركة الترجمة نقل مؤلفات في الطب والحساب والفلك والهندسة حُفظت بالعربية، ثم أضاف إليها علماء المسلمين إضافات مستقلة. وفي المقابل فإن الغزالي وابن تيمية وغيرهما انتقدوا فيما بعد بعض ما نقل من الإلهيات اليونانية بأدلة شرعية وعقلية، فالتراث في هذا الباب يحتاج إلى فرز لا إلى قبول مطلق ولا رفض مطلق.

الدرس

العلم أمانة والعقيدة حمى، فمن رعى العلم وفرّط في حراسة الاعتقاد جنى على الأمة بقدر ما أفاد، ومن أنصف العلماء عرف أن المأمون فتح بابًا من الخير وأخطأ خطأً كبيرًا في باب آخر.

العبرة

رعاية العلم النافع من أمانة الحاكم، ولا يتم الخير ما لم تُحرس العقيدة فلا تُحمل الأمة على رأي بالقوة.

المصدر: تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية لابن كثير (ترجمة المأمون)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ الفهرست لابن النديم؛ وفيات الأعيان لابن خلكان؛ الأحكام السلطانية للماوردي؛ صحيح مسلم (حديث من سلك طريقًا يلتمس علمًا)؛ سنن الترمذي وابن ماجه (حديث الحكمة ضالة المؤمن)؛ سورتا الزمر وفاطر.

الدرجة: مشهور في كتب التاريخ والتراجم في مجمله؛ وحكاية رؤيا أرسطو أدبية لم تثبت؛ وقياس درجة الأرض مشهور في تاريخ العلوم مع تفاوت التفاصيل؛ وحديث الحكمة ضالة المؤمن ضعيف الإسناد؛ وما استشهد به من القرآن وصحيح مسلم ثابت.