من هو المعتصم؟
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، وُلد نحو سنة ثمانين ومائة، وتولى الخلافة بعد أخيه المأمون في رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وحكم نحو ثماني سنوات حتى وفاته في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين. اشتهر بالشجاعة وقوة البدن، وأكثر من استخدام الجند الأتراك، وبنى مدينة سامراء سنة إحدى وعشرين ومائتين. وهو الذي استمرت المحنة في عهده، وضُرب الإمام أحمد رحمه الله بين يديه، وقد عفا أحمد عنه كما في قصة أخرى من هذه المجموعة.
الغارة على زبطرة
في سنة ثلاث وعشرين ومائتين أغار ملك الروم تيوفيل على بلدة زبطرة من ثغور المسلمين في الجزيرة، ذكر الطبري وابن كثير أنه أحرقها ونهب ما فيها وسبى وقتل. وفي هذا السياق يروي الطبري بإسناد إلى بعض الرواة خبر امرأة هاشمية أسرها الروم، فصاحت: وامعتصماه، فبلغ الخبر المعتصم، فقال: لبيك لبيك، ونهض من ساعته ونادى بالنفير. وفي بعض الروايات أن الرومي لطمها فصاحت. وهذا الخبر مشهور على الألسنة جدًا، لكن من المهم أن نذكر الحقيقة العلمية: إن أصل غارة تيوفيل على زبطرة وإن رد المعتصم عليها بحملة كبرى ثابت في المصادر، أما قصة المرأة وصيحتها فمروية بإسناد فيه جهالة، وأنكر بعض المؤرخين تفاصيلها واعتبروها من تزيين الرواة. ومع هذا فإن الاستجابة لصرخة المستضعفين المأسورين من أعظم الواجبات في الشرع، سواء صحت هذه الرواية بعينها أم لا.
الواجب الشرعي
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (النساء: 75). وروى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: فكّوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض. والعاني هو الأسير. وأجمع العلماء على أن فكاك أسرى المسلمين واجب على الكفاية على المسلمين، بالقتال أو بالمال، وأن على الإمام أن يتولى ذلك. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. أي لا يتركه لعدوه. وبهذه الأصول يتبين أن ما جرى سواء كانت القصة كما رويت أم قريبة منها، فهو في جملته من الواجبات.
العزم على عمورية
قرر المعتصم أن يضرب أعظم مدينة عند الروم في ذلك الوقت، وهي عمورية، مسقط رأس الأسرة الحاكمة في القسطنطينية، فكان ذلك رد اعتبار كبيرًا. وذكر المؤرخون أن جيشه سار في عدة فرق بقيادة قواده كالأفشين وأشناس، وأنه كتب اسم عمورية على دروع الجنود أو أعلامهم، على ما ورد في الروايات. وقد انتصر على تيوفيل في معركة قبل ذلك عرفت بوقعة أنزن أو الدزمون، ثم حاصر عمورية وفتحها في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين بعد حصار دام أيامًا، وتذكر الروايات أن ثغرة ظهرت في أحد جوانب السور دل عليها أحد المتنفذين، فدخلها المسلمون. وأوردت المصادر أعدادًا كبيرة للقتلى والأسرى متفاوتة، فلا أذكر عددًا.
المنجمون وأبو تمام
ويذكر الطبري وابن كثير أن المنجمين أخبروا المعتصم أن الوقت غير مناسب وأن التين والعنب لم ينضجا بعد، وأن الفتح لن يتم، فلم يلتفت إليهم. وخلد الشاعر أبو تمام الفتح في قصيدته المشهورة التي مطلعها: السيف أصدق إنباء من الكتب، في حده الحد بين الجد واللعب. وفيها: بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب. وفي ذلك مضمون شرعي واضح: فالتنجيم الذي ينبئ بالغيب باطل، وفي الحديث الصحيح عند أبي داود وابن ماجه ما يحذر من الاقتباس من علم النجوم، وهو ما يدل على أن ما فعله المعتصم من الاعتماد على الله والجهد صواب.
الخاتمة وما بعدها
عاد المعتصم إلى سامراء التي اتخذها عاصمة بعد احتكاك جنده الأتراك بأهل بغداد على ما ذكر الطبري، وجرت بعد ذلك مؤامرة قادها العباس بن المأمون ضده فأحبطت، ثم توفي سنة سبع وعشرين ومائتين. وقد قرر علماء التاريخ أن هذه الواقعة أعادت للمسلمين هيبتهم أمام الروم زمنًا. وفي المقابل أُخذ على المعتصم ما جرى من استمرار فتنة خلق القرآن في عهده وجلد الإمام أحمد.
الإمام أحمد والمعتصم
وفي عهد المعتصم جرى الامتحان الأكبر للإمام أحمد بن حنبل، فحُمل إليه وجُلد بالسياط وهو ثابت على قوله، وذلك في نحو سنة عشرين ومائتين. وروي أنه قال لما سُئل في المحنة أنه جعل المعتصم في حل مما جرى عليه، وتلا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 40). وقد أُفردت قصة هذا العفو في هذه المجموعة. ومن هنا يتبين أن المعتصم جمع في تاريخه بين بطولة الدفاع عن الأسرى وخطأ التعذيب في العقيدة، والمؤرخ المنصف يذكر الأمرين معًا.
الدرس
نصرة المستضعفين المأسورين واجب على الأمة وحكامها، وليكن الاعتماد على الله ثم الأخذ بالأسباب لا على التنجيم والأوهام. ويبقى التمييز بين ما ثبت من الخبر وما زاد عليه الرواة ضروريًا لحماية الحقيقة التاريخية.
