Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

درع أمير المؤمنين عند القاضي شريح: لا يُقضى إلا بالبينة

القاضي شريح بن الحارث الكندي وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

القاضي الذي طال عمره

هو شريح بن الحارث بن قيس الكندي، من اليمن، أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي ﷺ ولم يلقه على ما ذكره ابن حجر وغيره، فهو من كبار التابعين المخضرمين. وولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه القضاء في الكوفة، ثم بقي قاضيًا في خلافة عثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم، حتى استقال في زمن الحجاج. وذكر غير واحد من المؤرخين أنه ظل في القضاء نحو ستين سنة، وتوفي نحو سنة ثمان وسبعين للهجرة وقيل غير ذلك وقد جاوز المائة. وكان يلقب بالكوسج لقلة لحيته. وقد أُفردت له قصتان في هذه المجموعة تتعلقان بكتاب عمر إليه وبقضائه في قضية اتهام بالبكاء.

قصة الدرع

تذكر كتب الفقه والتاريخ قصة مشهورة أن عليًّا رضي الله عنه فقد درعه، ثم وجدها بعد حين في يد رجل نصراني يبيعها في سوق الكوفة، فقال: هذه درعي سقطت من جمل لي أورق. فأنكر النصراني ذلك وقال: بل هي درعي وفي يدي. فقال علي: بيني وبينك قاضي المسلمين. فجاءا إلى القاضي شريح، فقعد علي رضي الله عنه إلى جانب خصمه بين يدي القاضي، ولم يطلب لنفسه مقامًا. وفي بعض ألفاظ القصة زيادات منسوبة إلى علي لا أرى نقلها لعدم ثبوتها.

والمقصود: سأل شريح عليًّا: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: هي درعي ولم أبعها ولم أهبها. فسأل النصراني، فقال: درعي وما أكذب أمير المؤمنين. فالتفت شريح إلى علي فقال: هل لك بينة؟ فتبسم علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة. فقضى بها للنصراني. فأخذها ومشى خطوات ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء: أمير المؤمنين يقدمني إلى قاضيه فيقضي عليه. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعتُ الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق فأخذتها. فقال علي: أما إذ أسلمت فهي لك. وحمله على فرس. وذكرت بعض الروايات أنه قاتل بعد ذلك مع علي وقُتل يوم النهروان، وهذا لا يثبت.

وفي بعض الروايات أن عليًّا أتى بقنبر مولاه والحسن ابنه شاهدين، فقال شريح: أما مولاك فأجيز شهادته، وأما ابنك فلا أجيز شهادته لك. فقال: أما سمعت النبي ﷺ يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟ وهو حديث رواه الترمذي وصححه. قال شريح: بلى، ولكن لا أجيز شهادة الولد لوالده. والروايات متفاوتة، فبعضها يقتصر على عدم وجود البينة.

مبلغ ثبوت القصة

ذكر هذه القصة البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الشهادات، وأوردها أبو نعيم في الحلية، وابن كثير في موضع، وغيرهم. وأسانيدها لا تخلو من انقطاع أو ضعف، ولذلك عدّها بعض المحققين غير ثابتة بهذه الصورة، ومنهم من استشهد بها لأن معناها يؤيده ما صح في الأصول. فنقول: القصة مشهورة في كتب الفقه والتاريخ وفي إسنادها مقال، وهي مروية بألفاظ متفاوتة، ولا يصح الجزم بتفاصيلها كلها، لا سيما إسلام النصراني وقتاله مع علي.

الأصول الثابتة التي تؤيد معناها

أولًا: ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن اليمين على المدعى عليه. وفي الحديث الآخر: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. ثانيًا: قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). ثالثًا: قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135). رابعًا: ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قصة المرأة المخزومية التي سرقت وقول النبي ﷺ: وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

شهادة الولد لوالده

وأما مسألة شهادة الابن لأبيه، فقد اختلف فيها الفقهاء. فالجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على عدم قبولها للتهمة، وذهب بعض أهل العلم كابن حزم وجماعة إلى قبولها إذا كان عدلًا. فليس في رد شريح شهادة الحسن ما ينقص من قدر الحسن رضي الله عنه، وإنما هو حكم فقهي معروف.

المساواة في مجلس القضاء

ويُروى في هذا الباب أثر مشابه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اختصم هو وأبي بن كعب في شيء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه، فلما دخل عمر قام له زيد أو أراد أن يوسع له، فقال عمر: هذا أول جور جرت في حكمك، ثم جلس بين يديه مع خصمه. ورواه البيهقي وغيره بأسانيد، ولا أجزم بدرجته. وكلا الخبرين يعبران عن قاعدة صحيحة هي التسوية بين الخصمين في المجلس والنظر والكلام، وقد نص عليها الفقهاء في آداب القضاء، وأصلها في كتاب عمر المنسوب إلى أبي موسى الأشعري: آسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك. وأهل الذمة داخلون في هذه المساواة، ولهم ما للمسلمين من حق التقاضي والإنصاف في الحكم.

الدرس

القضاء الإسلامي لا يعرف الخليفة ولا الأمير ولا دين الخصم في ميزان البينة، فالحق يُطلب بالدليل. وهذا من أعظم ما يميز العدالة الإسلامية. ولنحذر في الوقت نفسه من تحميل القصص ما لم يثبت.

العبرة

الحكم بالبينة لا بالمنزلة، والعدل مع المسلم وغيره أصل ثابت بنصوص القرآن والسنة، مع التحرز في نسبة تفاصيل لم يصح سندها.

المصدر: السنن الكبرى للبيهقي (كتاب الشهادات)؛ حلية الأولياء لأبي نعيم؛ أخبار القضاة لوكيع؛ الإصابة لابن حجر (ترجمة شريح)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث ابن عباس: لو يعطى الناس بدعواهم؛ حديث المرأة المخزومية)؛ سورة المائدة: 8؛ سورة النساء: 135.

الدرجة: قصة الدرع مشهورة في كتب الفقه والتاريخ، وأسانيدها لا تخلو من انقطاع أو ضعف، وألفاظها متفاوتة وتفاصيل إسلام النصراني وقتاله مع علي لا تثبت؛ أما الأصول المستشهد بها فصحيحة ثابتة.