Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

إياس بن معاوية: ذكاءُ القاضي وحدود الفراسة في الحكم

إياس بن معاوية المزني قاضي البصرة

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو إياس؟

هو أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرة المزني البصري، وجده قرة بن إياس صحابي جليل. وُلد نحو سنة ست وأربعين للهجرة، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائة على الأرجح. ولي قضاء البصرة في أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهذا ما ذكره المؤرخون وأصحاب التراجم. واشتهر بين الناس بالذكاء المفرط وسرعة البديهة وحسن الفراسة، حتى صار يُضرب به المثل في الذكاء. وروى الحديث عن أبيه وغيره، ووثقه بعض أهل العلم، وذكره الذهبي وابن خلكان في ترجمته بالفطنة والعقل. والغالب فيما يُروى عنه من حكايات أنه مما رواه أصحاب الأخبار، وليس لكل حكاية إسناد صحيح، فلنذكر ما اشتهر منها مع التنبيه.

أصل الفراسة في القرآن

قال الله تعالى في سورة الحجر بعد ذكر قوم لوط: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر: 75). والمتوسمون هم المتفرسون الذين يتعرفون على الأمور بالعلامات والدلائل، ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية. وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. وفي إسناد الحديث ضعف، قال الترمذي: غريب، وضعفه جمع من المحققين، فلا يُعتمد عليه وحده، ويكفي في الباب الآية.

الاحتكام إلى القرائن في القرآن والسنة

في قصة يوسف عليه السلام، لما اتهمته امرأة العزيز، حكم شاهد من أهلها بالقرينة: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۝ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: 26-27). فلما رأى العزيز القميص قد من دبر عرف براءة يوسف. وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قصة المرأتين اللتين كان معهما ابناهما فذهب الذئب بابن إحداهما، فاختصمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. فهذا أصل في التوصل إلى الحق بالفطنة والقرائن.

من أخبار إياس

يذكر ابن القيم في الطرق الحكمية وغيره من أهل التراجم أنه ادعى رجل على آخر أنه أودعه مالًا عند شجرة، وأنكر الآخر الوديعة، فقال إياس للمدعي: اذهب إلى الشجرة فلعلك تتذكر موضع المال أو تجد علامة. وقال للمدعى عليه: اجلس حتى يرجع. ثم بعد ساعة سأل المدعى عليه: أترى صاحبك قد بلغ الشجرة؟ فقال: لا، لم يبلغها بعد، فعلم القاضي أنه يعرف الشجرة، فاعترف الرجل بالوديعة بعد ذلك. وهذه حكاية مشهورة في كتب القضاء، وتُنسب لإياس وغيره من القضاة، ولا أعلم لها سندًا محققًا. وفائدتها أن القاضي استعمل قرينة هي معرفة الرجل بموضع الشجرة، ثم لم يحكم بها دون إقرار.

حدود الفراسة: لا قضاء بمجرد الظن

هنا نقطة مهمة: لا يجوز للقاضي أن يحكم بمجرد فراسته أو ظنه. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار. فالقاضي يحكم بالظاهر، ويحاسب الله على الباطن. وقد قرر الفقهاء أن للقاضي أن يستعين بالقرائن والفراسة في التحقيق وكشف الحقيقة، لكن الحكم النهائي لا يكون إلا بالبينة أو الإقرار أو اليمين أو القرينة القاطعة عند من يقول بها كالحنفية والمالكية في بعض المسائل، وهي مسألة خلافية عند أهل الفقه. وما فعله إياس في الحكاية المنقولة قرينة أدت إلى الإقرار.

موقف أهل الفضل منه

ذكر المؤرخون أن إياسًا كان عاقلًا فطنًا ومتواضعًا، وأنه ترك القضاء بعد ذلك أو عُزل. وجملة ما يذكر عنه الإنصاف في الحكم والذكاء الحاد، ولم يشتهر عنه ما يخرجه عن الاستقامة.

سؤال القاضي طلبًا للحق

وفي السنة الصحيحة نماذج للتحقيق بالسؤال، منها ما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك لما جاءه معترفًا بالزنى: لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. وذلك ليتثبت من أنه فعل الفاحشة حقيقة، لا ليستجلب الحد. وهذا من درء الحدود بالشبهات. وأما العبارة المشهورة: ادرؤوا الحدود بالشبهات، فقد رويت مرفوعة بأسانيد ضعيفة، وصحت معناها عن بعض الصحابة كعمر وابن مسعود رضي الله عنهما. فمن أحسن ما يقوم به القاضي أن يسأل بحكمة ويتأنى في الحكم، وهذا ما يظهر في خبر إياس إن صحت حكاياته. وقد أشار ابن القيم في الطرق الحكمية إلى أن الحاكم إذا لم يكن فقيهًا في دلالات الأحوال والأمارات ضاعت حقوق كثيرة، وإذا أبطل الحكم بالقرائن مطلقًا وقع في ظلم، فالصواب التوسط بين الأمرين.

الدرس

الذكاء نعمة لا تغني عن البينة والعدل، والفراسة تعين القاضي على كشف الحق لكنها لا تحل محل الدليل الشرعي. وأجمل ما في الباب أن المؤمن يتحرى الحق بنور الله لا بهواه.

العبرة

الفراسة والذكاء يعينان القاضي على كشف الحق ولا يقوم مقام البينة، والقاضي يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

المصدر: وفيات الأعيان لابن خلكان (ترجمة إياس بن معاوية)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ الطرق الحكمية لابن القيم؛ تفسير ابن كثير لسورتي الحجر ويوسف؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أبي هريرة في قضاء سليمان؛ حديث أم سلمة: إنكم تختصمون إليّ)؛ سنن الترمذي (حديث اتقوا فراسة المؤمن).

الدرجة: إياس ثابت الوجود والقضاء ومشهور بالذكاء في كتب التراجم؛ وحكايات قضائه مشهورة في الأدب والقضاء بلا أسانيد محققة؛ وحديث فراسة المؤمن في إسناده ضعف؛ وما سوى ذلك من القرآن وصحيحي البخاري ومسلم ثابت.