Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أبو يوسف قاضي القضاة وكتاب الخراج: ناصح الرشيد بالرفق

القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

نشأة أبي يوسف

هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، وُلد سنة ثلاث عشرة ومائة، ونشأ فقيرًا في الكوفة، وتفقه أول أمره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم لزم أبا حنيفة النعمان رحمه الله حتى صار أشهر أصحابه. وتولى القضاء ببغداد في عهد المهدي على ما ذكر ابن خلكان وغيره، ثم صار في عهد الرشيد قاضي القضاة، ويقال إنه أول من دُعي بهذا اللقب. وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. وقد ترك مؤلفات منها كتاب الخراج وكتاب الآثار وغيرهما.

ثناء أهل الحديث عليه

يُروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال إن أول ما كتب الحديث اختلف إلى أبي يوسف، ثم غلب عليه أصحاب الحديث، ورُوي عنه أنه وصفه بالإنصاف في الحديث. وقد نقل ذلك الخطيب في تاريخ بغداد وغيره. وتكلم فيه بعض أهل الحديث من جهة قلة ضبطه في بعض الروايات، لكن جمهورهم وثّقه وقبل روايته، وكان صاحب سنة وفقه.

لماذا كتب الخراج؟

طلب الخليفة هارون الرشيد من أبي يوسف أن يضع له كتابًا جامعًا في أحكام الخراج والجزية والعشور والصدقات وما يتعلق بها، ليسير عليه في أمور المال والأرض. فكتب أبو يوسف كتاب الخراج، وصدّره بمقدمة وعظية مشهورة يخاطب فيها الخليفة بقوله ما معناه: يا أمير المؤمنين، إن الله جعل لك هذا الأمر أمانة عظيمة فلا تضيعها، وتذكر أنك مسؤول عن الرعية. وهذه المقدمة مذكورة في الكتاب المطبوع، وهو مشهور النسبة إلى أبي يوسف عند أهل العلم، وإن ناقش بعض الباحثين في تفاصيل نصه.

من أهم ما فيه

أولًا: دعا الكتاب إلى الرفق في الجباية وإنصاف أهل الخراج. فمما ذكره أنه لا يجوز تعذيب الناس لاستخراج الخراج منهم، ولا إقامتهم في الشمس، ولا تحميلهم ما لا يطيقون. وهذا موافق لما رواه مسلم في صحيحه من حديث هشام بن حكيم رضي الله عنه أنه مرّ بالشام على أناس من الأنباط وقد أقيموا في الشمس وصُبّ على رؤوسهم الزيت، فسأل عنهم فقيل: يعذبون في الخراج. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا.

ثانيًا: حذّر الكتاب من نظام القبالة، أي أن يتعاقد الوالي مع شخص يتقبل جباية منطقة بمبلغ معين ثم يجمع منها ما شاء، لأن المتقبل يحمله الطمع على العسف بالناس. وقد نصح أبو يوسف الخليفة بأن يعين رجالًا أمناء يجبون الخراج بحسب الحق.

ثالثًا: أوصى برعاية أهل الذمة، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم، مستدلًّا بوصية عمر رضي الله عنه عند وفاته الثابتة في صحيح البخاري: وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم. وذكر في الكتاب حديثًا في الوعيد لمن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، رواه أبو داود، وقد اختلف المحدثون في تحسينه وتضعيفه.

رابعًا: تناول إحياء الموات وإقطاع الأراضي وبيان أنواع الأراضي: ما فُتح عنوة وما فُتح صلحًا وما أسلم عليه أهله. وذكر في هذا الباب أصل: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وهو حديث رواه الترمذي وغيره وصححه، وروى البخاري معناه معلقًا عن عمر.

الإنصاف في تقويم الكتاب

لا ينبغي أن يُعتقد أن ما في الكتاب هو النص الوحيد في أحكام الأموال، فهو اجتهاد أبي يوسف بحسب المذهب الحنفي وما نقله من آثار، وفيه آراء خالفه فيها غيره من الأئمة. وكتاب الأموال لأبي عبيد وكتب أخرى تكمله. ومع ذلك فهو من أقدم ما كتب في الإدارة المالية في الإسلام، وقد تلقاه أهل العلم بالقبول.

الواعظ والخليفة

ويروى في كتب التراجم أخبار كثيرة عن أبي يوسف مع الرشيد، بعضها في حسن الفتوى وبعضها في ما يسمى بالحيل الفقهية، وفي بعضها ما هو منتقد عند العلماء، وبعضها لا سند له. ويجب التحرز من نقل الأخبار الظريفة دون تثبت، فإن القضاة والفقهاء كثيرًا ما كانوا مقصدًا لقصص الأدباء.

آداب القضاء

ومن الأصول التي ينبغي للقاضي أن يلتزمها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان. وقد ألّف أبو يوسف في آداب القاضي كتابًا ذكره المترجمون، وقرر فيه أصول القضاء على مذهب أبي حنيفة. كما ألّف الرد على سير الأوزاعي، وهو كتاب في الجهاد والسير ناقش فيه آراء الإمام الأوزاعي، ويُظهر أن الخلاف بين أئمة الفقه كان خلافًا علميًّا محترمًا يقوم على الدليل. وبفضل تلاميذه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن انتشر فقه أبي حنيفة في الأمصار، وهذا من أثر القاضي العالم في الأمة. ومن منهجه في كتاب الخراج أنه كثيرًا ما يسوق الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين في المسألة، ثم يختار منها ما يراه أقرب إلى الحق ويبين وجهه، فيجمع القارئ بين الرواية والنظر. وهذا يفسر انتشار الكتاب واعتماد الفقهاء عليه في أحكام الأرض والخراج قرونًا طويلة.

الدرس

القاضي العالم الناصح خير ما يستعين به السلطان، والنصيحة بالرفق وتذكير الرعية بحقوقها من أعظم الخدمات للأمة. والحاكم الذي يطلب النصيحة من العلماء مأجور على طلبه وإن قصّر في التطبيق.

العبرة

نصيحة العالم للحاكم بالرفق بالرعية وتحريم تعذيب الناس لجباية المال من أعظم الخدمات، وطلب الحاكم لها مأجور ولو قصّر في التطبيق.

المصدر: كتاب الخراج لأبي يوسف؛ وفيات الأعيان لابن خلكان (ترجمة أبي يوسف)؛ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي؛ صحيح مسلم (حديث هشام بن حكيم: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس)؛ صحيح البخاري (وصية عمر بأهل الذمة)؛ سنن أبي داود والترمذي (إحياء الموات؛ وعيد من ظلم معاهدًا).

الدرجة: كتاب الخراج منسوب إلى أبي يوسف بتلقي أهل العلم له بالقبول، وما ذكر من نصائحه فيه فهو من مضمونه المشهور؛ وثناء أحمد على إنصافه منقول في تاريخ بغداد؛ وحديث وعيد ظالم المعاهد مختلف في تحسينه؛ وأخبار حيله ونوادره مع الرشيد لا تثبت وقد تركتها.