من هو ابن أبي ليلى؟
هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، وأبوه عبد الرحمن بن أبي ليلى من كبار التابعين الذين أدركوا عمر رضي الله عنه. وُلد ابن أبي ليلى نحو سنة أربع وسبعين للهجرة، وتولى القضاء بالكوفة في آخر الدولة الأموية ثم في أول الدولة العباسية، وذكر الذهبي وغيره أن قضاءه دام نحو ثلاث وثلاثين سنة على اختلاف في الرواية، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان فقيهًا كبيرًا، له مذهب معروف في الكوفة، وتفقه على يديه جماعة، وذكره أصحاب التراجم من فقهاء الكوفة الثلاثة الكبار مع أبي حنيفة وابن شبرمة.
بين الفقه والحفظ
من الإنصاف أن نذكر ما قاله أئمة الحديث فيه. فقد وصفوه بسوء الحفظ في الرواية، فنُقل عن شعبة والإمام أحمد وغيرهما أنه سيئ الحفظ مضطرب الحديث، لكنهم شهدوا له بالفقه والعلم بالقضاء، وقال الذهبي في ما معناه إن فقهه خير من حفظه. فالرجل إمام في الفقه، ضعيف في الرواية، ولهذا لا يحتج بحديثه منفردًا، وإنما يذكر هنا لمنزلته في القضاء والفقه ولطريقته في الاستدلال.
الأئمة الثلاثة ومسألة البيع بشرط
من أشهر الأخبار عنه وعن زميليه ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وغيره، عن عبد الوارث بن سعيد، أنه قدم مكة فوجد بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسأل كلًّا منهم عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا. فقال أبو حنيفة: البيع باطل والشرط باطل. وقال ابن أبي ليلى: البيع جائز والشرط باطل. وقال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط جائز. فعجب عبد الوارث من اختلافهم في مسألة واحدة، فرجع إلى كل واحد وأخبره بما قال الآخران. فقال أبو حنيفة: لا أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. وقال ابن أبي ليلى: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمرها أن تشتري بريرة فتعتقها، وقال: اشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق. وقال ابن شبرمة: لا أدري ما قالا، حدثني مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعت النبي ﷺ ناقة وشرط لي حملانها إلى المدينة.
وهذه القصة مشهورة عند أهل الفقه، ويستشهد بها في بيان أن كل واحد من الأئمة كان يبني فتواه على دليل يرويه، وإن اختلف فهم الأدلة. أما إسنادها فقد نقلها الخطيب ولا أستطيع الجزم بتحقيق جميع رجاله، فأنقلها على أنها خبر مشهور عن الفقهاء الثلاثة.
الأدلة الثلاثة في ميزان الصحة
أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في النهي عن بيع وشرط، فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي معناه في حديث: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. وقال الترمذي: حسن صحيح. أما اللفظ الذي ذكره أبو حنيفة في الخبر، وهو النهي عن بيع وشرط، فهو ضعيف الإسناد عند جمهور المحدثين، والثابت هو النهي عن شرطين في بيع وعن سلف وبيع.
وأما حديث بريرة ففي الصحيحين، وفيه قول النبي ﷺ: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. والمعنى أن الشرط المخالف للشرع باطل، ويبقى العقد صحيحًا. وهو ما ذهب إليه ابن أبي ليلى في ما نُقل عنه.
وأما حديث جابر ففي صحيح البخاري ومسلم، وفيه أنه باع جمله للنبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، فقبل النبي ﷺ. وهو دليل على جواز شرط منفعة معلومة في البيع، وهو قول ابن شبرمة.
كيف جمع العلماء بين ذلك؟
ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى التفصيل: فالشرط الواحد الذي فيه منفعة معلومة للبائع كاستثناء الركوب جائز، وما عداه من الشروط المخالفة لمقتضى العقد باطل. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ما معناه إن الأصل في الشروط الصحة إلا ما خالف الكتاب والسنة، مستدلًّا بقوله ﷺ: المسلمون على شروطهم، رواه أبو داود وغيره بإسناد حسّنه جماعة، وبحديث جابر. وبذلك ظهر أن لكل قول من الأقوال الثلاثة وجهًا، وأن الاختلاف بينهم لم يكن اتباعًا للهوى.
دلالة الخبر على أخلاق القضاة
مما يستخلص أن القضاة الثلاثة كانوا يتبادلون السؤال عن مذاهب بعضهم، وأن كلًّا منهم قال: لا أدري ما قالا، بمعنى أنه لا يتبع أقوال زميليه ولا يجاملهم، بل يتمسك بما عنده من الدليل. وهذا يدل على استقلال القاضي العالم بنفسه، وأنه لا يخضع لسلطان ولا لجماعة في الفتوى. ولا يعني ذلك أن كل واحد منهم أصاب، وإنما أنهم اجتهدوا، والمجتهد المخطئ له أجر كما في الحديث الصحيح: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر، رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
خلافه مع أبي حنيفة في كتب الفقه
ذكرت كتب الفهارس والتراجم أن أبا يوسف ألّف كتابًا في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وأن الإمام الشافعي رحمه الله تناول الموضوع ذاته في كتبه، وفي ذلك دلالة على أن فقه ابن أبي ليلى كان مدرسة معتبرة تُقابل بغيرها وتُناقش بالأدلة، وإن لم تنتشر انتشار مذهب أبي حنيفة. ومن الفوائد أن العلماء كانوا يدونون الخلاف وينسبون الأقوال إلى أصحابها ليسهل على طالب العلم الترجيح.
الدرس
اختلاف الأئمة المعتبرين في المسائل الاجتهادية سعة ورحمة إذا كان مبنيًّا على الدليل، وهو لا يوجب الشقاق. وعلى القاضي أن يكون مستقلًّا في اجتهاده، متواضعًا عند ظهور الحق.
