Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: دستور القاضي

عمر بن الخطاب وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الكتاب والمكتوب إليه

من أشهر ما يُنقل في تاريخ القضاء الإسلامي كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين ولاه. وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري صحابي جليل، من فقهاء الصحابة وقرائهم، ولاه النبي ﷺ على بعض اليمن، وولاه عمر البصرة، وتوفي نحو سنة اثنتين وأربعين. وقد تناقل أهل العلم هذا الكتاب، وفصّله ابن القيم في إعلام الموقعين شرحًا مطولًا.

درجة الكتاب

رواه الدارقطني في سننه والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهما بأسانيد مختلفة، وفي كل إسناد مقال عند المحدثين، فبعض طرقه فيها انقطاع وبعضها فيها راوٍ ضعيف. ومع هذا فقد تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه الكثير في آداب القضاء، وقال ابن القيم إن معناه صحيح وإن أصوله ثابتة في نصوص الشرع. فهو من الآثار المشهورة التي يحتج بمجموعها، ولا يحتج بلفظ جملة منها على سبيل الجزم. لذلك سأنقل أهم ما فيه بمعناه، وأقتصر على الجمل الأشهر التي تدور على ألسنة الفقهاء.

بنود الكتاب

يبدأ الكتاب بقوله ما معناه: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. أي أنه عمل شرعي منضبط يتبع فيه القاضي النصوص ولا يخترع. ثم يقول: فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. أي أن يفهم القاضي دعوى الخصمين فهمًا صحيحًا، وأن ينفذ الحكم بعد ثبوته، فلا قيمة لحكم لا يُنفذ.

ثم يأمره بالمساواة فيقول فيما يُروى: وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وهذه من أجمل عبارات القضاء، وفيها تسوية في النظر والمجلس والحكم. ثم يقرر قاعدة الإثبات: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وهي في الصحيحين كما سبق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ويقول: والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا. وهذه العبارة مأخوذة من حديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بلفظ قريب، وفيه خلاف في إسناده، لكن مضمونه صحيح. وقد قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128).

الرجوع إلى الحق

ومن أروع ما في الكتاب أنه يقول: ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك فهُديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. وهذه قاعدة مهمة: القاضي إذا تبين له الخطأ يرجع، ولا تمنعه كرامته، لكن مع ذلك لا ينقض القاضي حكمه السابق لمجرد الهوى. وقد أخذ العلماء منه جواز نقض القاضي حكم نفسه إذا تبين خطؤه، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل.

الاجتهاد والقياس

ثم يقول: الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق. وقد جعله بعض العلماء أصلًا في القياس. وقال آخرون إن الأصل في القياس أدلة أخرى وهذا الكتاب مؤيد لا مؤسس. وهو متسق مع حديث معاذ بن جبل المشهور حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن وقال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، وقد ضعفه كثير من المحدثين لجهالة بعض رواته، وتلقاه الفقهاء بالقبول، وفي صحته خلاف مشهور. فلا ينبغي أن يُقال في المسألة أكثر من أنها خلافية.

الأجل والإنصاف

ويأمره بأن يجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذ له بحقه، وإلا استحل عليه القضية، فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر. أي أن يعطي المدعي مهلة معقولة ثم يحكم عليه إذا لم يأت بدليله، رعاية لحق الخصم الآخر في إنهاء الخصومة.

الشهود وآداب القاضي

ويقرر أن المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو قرابة. ثم يوصيه بأن يتجنب القلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم، فإن من يخلص نيته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس. وهذه الوصايا النفسية للقاضي مهمة جدًا، وتوافق ما ثبت في الصحيحين من نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان.

كتاب آخر: عمر إلى شريح

ومما يكمل هذا الكتاب ما رواه النسائي والدارمي وغيرهما من أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح القاضي، في معنى: إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك. وقد قصّة هذا الكتاب مذكورة في هذه المجموعة بعنوان كتاب عمر إلى شريح. وهو يرتب مصادر الحكم ترتيبًا واضحًا: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع وما اتفق عليه الناس، ثم الاجتهاد. فاجتمع الكتابان على بيان أن القاضي لا يحكم بهواه، وأن الاجتهاد مرتبة أخيرة.

الدرس

قد يختلف في سند كتاب عمر، لكن اتفاق العلماء على قبول مضمونه دليل على أن أصوله مستمدة من الشرع. وقد جعل القضاء قائمًا على خمسة أركان: الفهم، والمساواة، والبينة، والرجوع إلى الحق، والاجتهاد المنضبط.

العبرة

القضاء قائم على الفهم والمساواة والبينة والرجوع إلى الحق والاجتهاد المنضبط، ومن أخلص نيته بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس.

المصدر: سنن الدارقطني (كتاب الأقضية)؛ السنن الكبرى للبيهقي (كتاب آداب القاضي)؛ إعلام الموقعين لابن القيم (شرح كتاب عمر إلى أبي موسى)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث ابن عباس: البينة على المدعي؛ حديث أبي بكرة: لا يقضين حكم وهو غضبان)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث معاذ؛ والصلح جائز بين المسلمين).

الدرجة: كتاب عمر إلى أبي موسى مشهور عند الفقهاء، وفي أسانيده مقال، وقد تلقاه العلماء بالقبول وشرحه ابن القيم؛ ولا أجزم بألفاظه الحرفية؛ وحديث معاذ في الاجتهاد مختلف فيه؛ والأحاديث الصحيحة المستشهد بها من الصحيحين.