أصل القصة: خبيب بن عدي في صحيح البخاري
لا يمكن فهم سعيد بن عامر رضي الله عنه من غير الرجوع إلى حادثة خبيب بن عدي رضي الله عنه، وقد رويت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فقد بعث النبي ﷺ عشرة عينًا (جماعة استطلاع) فغدر بهم بنو لحيان، وأُسر خبيب، فباعوه إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بمكة، وكان هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث عندهم أسيرًا. ومما ثبت في الحديث أنه استعار موسى ليستحد بها، فأخذه ابن لبعض أهل البيت وهو غافل، حتى أتاه، فوضعه على فخذه والموسى بيده، ففزعت المرأة، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت المرأة بعد ذلك: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله. ثم خرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركعهما، وقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال أبياته المشهورة التي منها: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا، على أي جنب كان في الله مصرعي. وقال أبو هريرة إن خبيبًا هو أول من سن الركعتين عند القتل. والحديث ثابت في الصحيح.
حضور سعيد
وأما ما ورد من حضور سعيد بن عامر مقتل خبيب وهو يومئذ مشرك، وما أصابه من الغشية كلما ذكر ذلك بعد إسلامه، فمذكور في كتب التراجم والحلية وغيرها، وليس في صحيح البخاري، وقد أوردته قصة أخرى في هذه المجموعة، ولا أكرر تفاصيلها هنا، وإنما أقول إن أسانيدها من أخبار التراجم، لا أستطيع الجزم بدرجتها. وأسلم سعيد قبل خيبر وشهدها مع النبي ﷺ، فما كان يتصور أن يصير أحد أعمدة الزهد في الولاة.
عمر يعرض عليه الولاية
يذكر أبو نعيم في الحلية وابن كثير والذهبي في سير أعلام النبلاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا سعيد بن عامر ليوليه على حمص، فقال سعيد: يا عمر، لا تفتني. فقال عمر: والله لا أدعكم، تجعلونها في عنقي ثم تتخلون عني. وفي ذلك اعتراف من عمر بأن الولاية أمانة ثقيلة، وأنه لا يريد أن يتحمل وحده مسؤولية المسلمين. وهذه الرواية مشهورة في كتب الزهد والتراجم، وأسانيدها ليست من أسانيد الصحيح.
وصيته لعمر
ومما يُروى أن سعيدًا أوصى عمر بوصية في معنى: أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل. وهذا المعنى من أصول الإسلام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3)، وقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44). وروى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. فمن عرف هذا الوعيد عرف قيمة الوصية.
المال والزهد
ويذكر أبو نعيم وابن المبارك في كتاب الزهد أن عمر أرسل إلى سعيد بمال، وهو ألف دينار في بعض الروايات، ليستعين به على حاجته، فقالت له زوجته: لو اشتريت لنا به طعامًا وخادمًا. فقال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ ندفعه لمن يأتينا بخير منه، فتصدق به كله. وهذا الخبر يدل على الإيثار والزهد، وتختلف الروايات في مقدار المال وتفاصيل الحوار، فلا أنقل أرقامًا ولا حوارات.
شكاية أهل حمص
وقد أُفردت في هذه المجموعة قصة شكاية أهل حمص منه، حين شكوه إلى عمر في أمور أربعة، فأجاب عنها بما يدل على صدقه وزهده، وقال عمر الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي. وفي تلك الرواية أنه أجاب عن تأخره عن الخروج بأنه لا خادم له، وعن إغفائه بأنه يجعل النهار لهم والليل لله، وعن ثيابه بأنه ليس لديه غيرها. فهو والي أُشرب حب الله فأعرض عن الدنيا.
وفاته
توفي سعيد بن عامر رضي الله عنه نحو سنة عشرين للهجرة، وقيل غير ذلك، فلم يعمّر طويلًا، ويقال إنه مات في قيسارية من أرض الشام. وهذا مما ذكره أصحاب التراجم دون تحقيق دقيق.
حماية الله لعاصم
ومن تمام ما في حديث البخاري أن قريشًا أرسلت إلى عاصم بن ثابت رضي الله عنه، أمير تلك البعثة الذي قُتل في الطريق، من يأتيهم بشيء من جسده يعرفونه به، لأنه كان قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلة من الدَّبْر، أي سحابة من النحل، فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. وفي هذا بيان لكرامة الله لأوليائه، وهي من الثابت في الصحيح، وقد قال عاصم قبل ذلك ما معناه إنه لا ينزل في ذمة كافر. وكانت هذه الحادثة من سنة ثلاث للهجرة على قول، وفيها دروس في الصبر والثبات والتوكل على الله، وهي الخلفية التي يُفهم بها تأثير مشهد خبيب على من حضره من المشركين فيما بعد.
الدرس
لا يصلح لمنصب الأمانة إلا من شغل قلبه بالآخرة، ومن لا يتحرك في مواجهته للناس إلا لله. والموعظة الصادقة هي التي يشهد لها فعل صاحبها قبل قوله.
