Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والتاريخ الإسلامي
الفتوحات والتاريخ الإسلاميمشهور

أسد بن الفرات: العالم القائد وفتح صقلية

أسد بن الفرات

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

ولد أسد بن الفرات رحمه الله في حران بالجزيرة سنة اثنتين وأربعين ومائة تقريبًا، ونشأ في القيروان، ثم رحل في طلب العلم إلى المدينة فأخذ عن أصحاب الإمام مالك، وسمع من الإمام مالك نفسه في بعض الروايات، ثم رحل إلى العراق فتتلمذ على أصحاب أبي حنيفة، وسمع من أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ثم رحل إلى مصر وسأل عبد الرحمن بن القاسم من أصحاب مالك، وصنّف كتاب الأسدية في الفقه، وهو أصل المدونة. وقد جاء بعده سحنون بن سعيد فأخذ الأسدية ثم راجع فيها ابن القاسم، فصارت المدونة المعروفة. وعاد أسد إلى القيروان عالمًا فقيهًا، فولّاه الأمير الأغلبي زيادة الله بن إبراهيم قضاء إفريقية سنة ثلاث ومائتين للهجرة. وتذكر كتب التراجم أنه كان قاضيًا شديدًا في الحق. وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين قرر الأمير فتح جزيرة صقلية، فاختار أسد بن الفرات قائدًا للحملة وهو القاضي الشيخ، فسار بالأسطول مع الجيش من سوسة إلى صقلية. وتذكر الروايات أنه لما التقى الجيشان أمر المسلمين بقراءة سورة يس، وكان يتقدم الصفوف بنفسه. وانتصر المسلمون واستولوا على أجزاء من الجزيرة. وحاصروا سرقوسة، وتوفي أسد رحمه الله أثناء الحصار سنة ثلاث عشرة ومائتين، وتولى القيادة بعده غيره. وهكذا جمع أسد بن الفرات بين العلم والقضاء والقيادة والجهاد، ومات في ميدان الجهاد. وكان فتح صقلية بداية قرون من الوجود الإسلامي فيها نشرت العلم والعمران، فقد استكمل المسلمون فتحها بعده خلال سنوات، وصارت من بلاد الإسلام أزمانًا طويلة. وبقيت سيرته مثالًا على العالم الذي لا ينعزل عن هموم أمته، بل يخدمها بعلمه حين يكون العلم مطلوبًا، وبسيفه حين يكون الجهاد واجبًا. وكان كتابه الأسدية ثمرة أسئلة طرحها أسد على ابن القاسم، جمع فيها أجوبته على مسائل الفقه، ثم هذّبها سحنون في المدونة. ومعنى هذا أن العلم الذي حمله أسد في رحلاته لم يضع، بل انتقل إلى طلابه وصار مرجعًا لعلماء المغرب قرونًا. وعندما استكمل المسلمون فتح صقلية بعد ذلك، انتشرت فيها اللغة العربية والعلم، وصارت جزيرة مزدهرة في القرون التالية. وقد خلّد التاريخ اسم أسد بن الفرات بوصفه من العلماء المجاهدين، ويُقتدى به في أن العلم لا يتعارض مع الإقدام والشجاعة، وأن من حمل العلم حمل مسؤوليته أيضًا. وكان أمير إفريقية يجله لعلمه، ولذلك أسند إليه قيادة هذه الحملة الكبيرة مع أنه ليس من قادة الجيش المحترفين. فرحمه الله وجزاه خير الجزاء.

العبرة

العالم الحق لا يعتزل العمل العام، فهو يجاهد بعلمه وسيفه إذا احتاجت الأمة.

المصدر: رياض النفوس للمالكي؛ ترتيب المدارك للقاضي عياض؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير

الدرجة: مشهور في كتب التراجم والتاريخ