— نسبه ونشأته — هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، من البيت الأموي، وُلد سنة 113هـ في الشام (وقيل في تدمر)، وأمه امرأة من الأمازيغ من قبيلة نفزة تسمى راح أو راحة، على ما ذكره المؤرخون. وقد مات أبوه معاوية وهو صغير، فنشأ في كنف جده وأعمامه في بيت الخلافة. وحين قامت الدعوة العباسية وسقطت الدولة الأموية سنة 132هـ كان عمره نحو تسع عشرة سنة.
— الفرار — بعد أن انتصر العباسيون على مروان بن محمد في معركة الزاب، شرعوا في ملاحقة الأمويين وقتلهم، وتذكر كتب التاريخ مجازر كبيرة. فخرج عبد الرحمن هاربًا ومعه أخوه يحيى وبعض الموالي. وتروي كتب الأندلسيين، كابن عذاري والمقري، أنهم كانوا مختبئين قرب نهر الفرات، فلما أحاط بهم جند العباسيين رمى عبد الرحمن وأخوه أنفسهما في النهر، وأن الجند نادوا أخاه بالأمان فعاد، فقتلوه أمام عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن مضى سابحًا حتى نجا. وهذه القصة مشهورة، وفيها بعض الصنعة الأدبية، وهي مروية في المصادر المتأخرة، فنذكرها على أنها رُويت لا على أنها ثابتة التفاصيل.
— من الشام إلى المغرب — يذكر المؤرخون أنه اتجه إلى فلسطين ثم مصر ثم برقة وإفريقية. وكان والي إفريقية آنذاك عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وهو رجل طامع في الاستقلال، فخاف عبد الرحمن الداخل منه وحاول الفرار، لأن الفهري كان يخشى منافسة أي أموي، فمضى غربًا. وتذكر الروايات أنه لجأ إلى أخواله من نفزة في المغرب الأوسط، ثم نزل عند قبائل مكناسة وزناتة، ثم استقر قرب سبتة في ساحل المغرب. وهذا كله على ما وصلنا من الروايات، ويؤكده أن الأمازيغ استقبلوه بسبب قرابته من أمه.
— رسول إلى الأندلس — لما رأى الداخل أن المغرب لا يصلح له، التفت إلى الأندلس التي كان فيها موالي بني أمية. وأرسل مولاه بدرًا إلى قريب له من الموالي في ناحية إلبيرة (غرناطة) وجيان. فاجتمع بمولى آخر يسمى أبا عثمان عبيد الله بن عثمان وعبد الله بن خالد، وهما من الموالي، ودعوا إلى بيعته. وكانت الأندلس في ذلك الوقت تحت حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد انقسم أهلها بين قيس ويمن، وكان صميل بن حاتم الكلابي قائد القيسية، ومعه يوسف.
— النزول والمعركة — نزل عبد الرحمن في المنكب (ألمونيكار) في ربيع الأول أو الثاني من سنة 138هـ، وبايعه الموالي واليمانية، ثم انضم إليه جمع. وسار يوسف الفهري لقتاله، وتفاوض معه قليلًا، ثم كانت المعركة في المصارة (قرب قرطبة على نهر الوادي الكبير) في ذي الحجة سنة 138هـ (مايو 756م)، فانتصر عبد الرحمن، ودخل قرطبة. وتذكر الروايات أنه رفع على رمح عمامة خضراء راية له، وأنه ركب جوادًا. ويبقى الثابت أنه انتصر ودخل قرطبة وأسس إمارة أموية مستقلة عن الخلافة العباسية.
— أول الأمر — لم يتسمَّ عبد الرحمن بالخليفة بل بالأمير، وأسقط الدعاء للعباسيين في الخطبة، على ما ذكره المؤرخون، وبقي يواجه الثورات والفتن ما يقرب من ثلاثين سنة من حكمه. وكان من أصعبها ثورة العلاء بن مغيث اليحصبي، الذي أرسله المنصور وسلمه راية سوداء، فنزل في باجة سنة 146هـ، فحاصره عبد الرحمن في قرمونة وهزمه، وقُتل العلاء. وتروي كتب التاريخ أن عبد الرحمن أرسل رأس العلاء إلى المنصور وهو في موسم الحج، فقال المنصور ما معناه: الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر. وهذه الرواية متداولة، ولا نملك إسنادًا لها.
— لقب صقر قريش — اشتهر أن المنصور سأل جلساءه من هو صقر قريش، فعددوا الخلفاء كمعاوية وعبد الملك، وهو ينكر، حتى قال هو عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر وقطع القفر ودخل بلدًا أعجميًّا منفردًا بنفسه ومؤيدًا برأيه. ورُوي هذا الخبر في كتب الأندلسيين ولم يثبت بإسناد، ولكن اللقب نفسه معروف في التاريخ وأقرّه المؤرخون.
— البناء والحضارة — عُرف عن عبد الرحمن أنه أنشأ مسجد قرطبة الجامع سنة 170هـ تقريبًا، واشترى الكنيسة التي كانت بجوار المسجد من النصارى بثمن دفعه لهم، ثم شرع في بناء المسجد، فيذكر المؤرخون هذا صفحة من احترام العهود. وقد توفي سنة 172هـ في قرطبة وله نحو ستين سنة، وخلفه ابنه هشام.
— الرصافة والنخلة — من الأخبار المشهورة في كتب الأدب والتاريخ الأندلسي أن عبد الرحمن أنشأ قرب قرطبة قصرًا وبستانًا سماه الرصافة، تشبهًا برصافة جده هشام في الشام، وأنه غرس فيها نخلة جلبت من الشام، فتذكر بلاده وقال أبياتًا ينسبها المؤرخون إليه في الحنين إلى الوطن، شبّه فيها النخلة بنفسه في الغربة. وهذه الأبيات منسوبة إليه في نفح الطيب وغيره، ولا نملك ما يقطع بصحة نسبتها، لكنها تصور حنينه إلى موطنه، وهو معنى إنساني لا حرج في ذكره.
— وقفة — في سيرة الداخل عبرة عن الأقدار؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ في سورة يوسف. شاب مطارد يعبر الفرات وإفريقية والبحر ثم يؤسس دولة بقيت قرونًا. وفي الوقت نفسه ينبغي أن نقول إن الصراع على الملك بين المسلمين وإراقة الدماء فيه أمر مؤسف، وإن الخلاف بين الأمويين والعباسيين ليس مما نفرح به.
