— السند قبل محمد بن القاسم — السند هي البلاد التي تقع اليوم في باكستان (إقليم السند) وما حولها، وكانت المحاولات الإسلامية للوصول إليها قديمة، فقد توجّه بعض القادة منذ خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما إلى مكران وما وراءها، ثم صار الأمر أشد في زمن بني أمية. وذكر البلاذري في فتوح البلدان محاولات سابقة قُتل فيها قادة مسلمون، منهم عبيد الله بن نبهان وبُديل بن طهفة البجلي، في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق والمشرق.
— من هو محمد بن القاسم — هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي من ثقيف بالطائف، وهو من أقارب الحجاج. ويذكر البلاذري أنه كان شابًّا صغير السن حين قاد الجيش، فيقال إنه ابن سبع عشرة سنة وقيل غير ذلك. وكان الحجاج يختار قواده من ثقيف وغيرهم، فاختاره لشجاعته وذكائه ولثقته به، وجعل معه جيشًا من أهل الشام يقال إنه ستة آلاف مقاتل، وزوده بما يحتاج من عتاد وسفن وآلات حصار.
— السبب المشهور: صرخة الأسيرة — ذكر البلاذري، نقلًا عن المدائني، أن ملك جزيرة الياقوت (يظنها بعضهم سرنديب/ سريلانكا) أرسل هدايا وبعض النساء المسلمات اللواتي مات آباؤهن في بلاده إلى الحجاج، فتعرضت السفينة لقراصنة في ساحل ديبل، فأخذوا ما فيها، وأن امرأة صاحت يا حجاج، فلما بلغه ذلك قال لبيك. وأرسل إلى داهر ملك السند يطالبه بإطلاق الأسيرات، فاعتذر أنه لا يقدر على القراصنة، فجهز الحجاج الجيش. وهذه الرواية في الكتب المتقدمة، لكنها من أخبار الآحاد غير المسندة إسنادًا يعتمد عليه، فنذكرها على أنها سبب مشهور، لا أنها سبب قطعي، فمن المؤرخين من يرى أن الحملة جزء من التوسع المنظم للدولة الأموية، وأن الحادثة ذريعة أو سبب ثانوي.
— الزحف — انطلق الجيش سنة 92هـ تقريبًا عبر مكران، وتذكر الكتب أن الحجاج كان يراسل محمدًا ويوجهه برسائل مفصلة، حتى قيل إنه كان يعين له الأماكن. ووصل الجيش إلى ديبل (قرب كراتشي اليوم)، وكانت مدينة محصنة فيها معبد كبير، فحاصروها بالمجانيق، ومنها منجنيق كبير يسمى العروس يحتاج إلى خمسمئة رجل لتشغيله، على ما ذكر البلاذري. وفُتحت المدينة، ومنها انطلق محمد إلى النيرون وسدوسان وغيرهما.
— الراور — كانت المواجهة الحاسمة مع داهر على نهر السند في موضع يسمى الراور، سنة 93هـ، وتذكر كتب التاريخ أن داهر قاتل على فيل، وأنه قُتل في المعركة، وأن جيشه انهزم. وتتفاوت الروايات في تفاصيل المعركة، فمنها ما يضيف قصصًا عن زوجته وأخته وبناته، وهذه من الأخبار التي مصدرها كتاب فارسي متأخر يسمى چچ نامه (فتح نامه) ترجم عن العربية في القرن السابع الهجري، وفيه خلط كبير بين الحقيقة والرواية، فلا نعتمد تفاصيله، وخاصة قصة بنات داهر ودورهن في مقتل محمد، فإنها تعد عند المحققين من الأساطير.
— معاملة الأهالي — تتحدث بعض المصادر عن أن محمد بن القاسم أعطى أهل السند عهدًا وأقرّ معابدهم، واعتبرهم ذمة يدفعون الجزية، وأنه استعان بعدد من وجهاء البلاد في إدارة المناطق. ويورد البلاذري ما يفيد أنه لم يتعرض لسدنة المعابد ولا لما تعارف عليه الناس، وهذا هو المعتاد في صلح الفتوح. وتذكر چچ نامه رسالة من الحجاج إلى محمد تقضي بمعاملة المعابد كالكنائس واليهودية، لكن لا نثق بنصها لتأخر مصدرها.
— ملتان — بعد الراور، سار محمد إلى برهمناباد وأرور، ثم إلى ملتان التي تعد من أهم مدن السند، فتح الجيش المدينة بعد حصار، وتروي الكتب أنه غنم فيها مالًا كثيرًا من معبد كبير، فسميت ملتان فرج بيت الذهب. وفُتحت بلاد أخرى في الشمال حتى حدود كشمير على ما يقال.
— نهايته — توفي الحجاج سنة 95هـ، ثم الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ، فتولى سليمان بن عبد الملك، وكان لا يحب الحجاج وأتباعه، فعزل محمد بن القاسم وأرسل من يأخذه إلى العراق، فسُجن في واسط ثم مات في السجن، وقيل عذّبه صالح بن عبد الرحمن، والمشهور أنه توفي سنة 96هـ أو بعدها بقليل وهو في الرابعة والعشرين تقريبًا. وتروي الكتب، ومنها البلاذري، أن أهل السند بكوا عليه وصنعوا له تمثالًا في الكيرج. وهذه الرواية في المصادر القديمة، لكنها من الأخبار التي لا يمكن الجزم بها.
— ما بعد محمد بن القاسم — لم ينقطع الوجود الإسلامي في السند بنهاية محمد بن القاسم، فقد استمر الولاة بعده، وتذكر كتب البلاذري والبلدانيين أن مدنًا عدة أنشئت لتكون قواعد للمسلمين، منها المنصورة التي ينسب بناءها بعض المؤرخين إلى عمرو بن محمد بن القاسم، وقيل غير ذلك، ومنها المحفوظة. ثم انتشر الإسلام تدريجيًّا في السند وملتان عبر التجار والدعاة والمقيمين، وصار فيها علماء ومحدثون، وهذا الانتشار في الغالب أثر الاحتكاك الطويل والتجارة والقدوة أكثر مما هو أثر القتال، وفي ذلك تصديق لمعنى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ في سورة النحل.
— العبرة في ضوء الشرع — قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ في سورة الإسراء، وهو أصل في حفظ العهود مع أهل البلاد المفتوحة. وقد أخرج البخاري من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما قوله ﷺ: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، فالأصل أن أهل الذمة لهم حرمة في دماءهم وأموالهم وعبادتهم. فلا ينبغي لنا أن نعتمد من الروايات إلا ما وافق هذا الأصل، وأن نحذر من القصص التي تشوه صورة الفتح.
