— من هو قتيبة — هو قتيبة بن مسلم الباهلي، من قبيلة باهلة، وُلد سنة 49هـ تقريبًا، وكان من رجال الحجاج بن يوسف. ولاه الحجاج خراسان سنة 86هـ، وبقي واليًا عليها عشر سنين تقريبًا. وكانت خراسان آنذاك على حدود بلاد ما وراء النهر (ما يسمى اليوم أوزبكستان وطاجكستان وأجزاء من كازاخستان)، وهي بلاد مدن صغيرة متنافسة يحكم كل منها أمير (تسميهم الكتب الإخشيد أو الخاقان أو الطرخون)، وفيها الأتراك والصغد والتبت.
— التدرج في الفتح — لم يبدأ قتيبة بالهجوم الكبير فورًا. فقد ذكر الطبري أنه بدأ بإصلاح الجيش وتنظيمه، ثم غزا طخارستان وفتح مدنًا فيها، ثم توجه إلى بيكند سنة 87هـ، وهي مدينة قرب بخارى كانت من أمنع المدن، وتسمى مدينة التجار، فحاصرها وفتحها بعد قتال عنيف، وغنم فيها غنائم كثيرة. وتشير الروايات إلى أن ما حدث في بيكند أثار حفيظة الصغد وملكهم، فتحالفوا مع الأتراك ضد المسلمين، فكانت هناك معارك متعددة.
— بخارى — احتاج فتح بخارى إلى سنوات (89-94هـ)، لأن أميرها وردان خذاه وأهلها قاوموا بشدة، وكان المسلمون ينتصرون ثم يرجعون فتعود المدينة. وتذكر الروايات أنه بنى فيها مسجدًا جامعًا، وأنه اتخذ سياسة جديدة بأن يسكن في البلاد ويقيم فيها حامية. وتذكر بعض الكتب، ومنها الطبري، أنه أجبر أهل بخارى على أن يترك كل منهم نصف بيته للعرب المقيمين لضمان بقائهم، وهذه الرواية ترد في تاريخ بخارى للنرشخي، وفيها بعض المبالغة. وقد دخل أهل بخارى في الإسلام تدريجيًا بعد ذلك، ثم صارت بخارى مركزًا من مراكز العلم، وخرج منها الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله.
— سمرقند — فتح قتيبة سمرقند سنة 93هـ، وكانت أعظم مدن الصغد، وأميرها غورك أو طرخون. وتذكر الروايات أنه حاصرها ثم صالح أهلها على جزية وشروط، منها أن يخلوها للمسلمين من الأتراك والمقاتلين فيدخلها هو ويصلي في مسجدها ثم يخرج. وكان في هذا الصلح خلاف لاحق أدى إلى القصة المشهورة التي سنرويها مفصلة في قصة قاضي سمرقند، وهي من أهم ما يذكر في عدل المسلمين.
— الخوارزم وبقية الثغور — تشير المصادر إلى أن قتيبة فتح خوارزم سنة 93هـ بعد خلاف داخلي بين أميرها وأخيه، ثم الشاش (طشقند) وفرغانة سنة 94-95هـ، ووصلت سراياه إلى كاشغر على حدود الصين، على ما يرويه الطبري. وتذكر بعض الروايات أن قتيبة أرسل وفدًا إلى ملك الصين وأن الملك صالحه، وهذه القصة ذكرها الطبري عن رواة بعيدين، وفيها حوار طويل لا نجد له تأكيدًا في المصادر الصينية، فيجب التحفظ في ذكرها.
— قتيبة والعلماء — اشتهر ما يرويه المؤرخون أن قتيبة سأل قبل إحدى المعارك عن محمد بن واسع رحمه الله، فقيل إنه في الميمنة رافعًا إصبعه نحو السماء يدعو، فقال: لإصبعه تلك أحب إلي من مئة ألف سيف شهير وسنان طرير. وهذه القصة في الكتب المشهورة، ومنها وفيات الأعيان وتاريخ ابن كثير، ولا نملك إسنادًا قويًّا لها، وهي تدل على أن القائد كان يعلم أن النصر بيد الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ في سورة الأنفال.
— جيش خراسان وعصبياته — لفهم قتيبة ينبغي أن نعرف أن جيشه لم يكن جيشًا واحد الولاء، فقد ذكر البلاذري والطبري أن زياد بن أبيه نقل في خلافة معاوية رضي الله عنه أعدادًا كبيرة من العرب من البصرة والكوفة إلى خراسان، وقدّروا من نقلهم بخمسين ألفًا مع أهليهم، فاستقروا فيها وصاروا قاعدة الجيش. وكانت هذه الجماعات منقسمة بحسب القبائل: تميم وأزد وبكر وغيرها، وكان بين القبائل نزاعات قديمة. وقتيبة من باهلة، وهي من قيس، وكانت علاقته بتميم متوترة، وتذكر الروايات أن ذلك كان وراء قيام وكيع بن أبي سود التميمي بالتحريض عليه. وهذه الخلفية تساعد على فهم كيف انهار قائد منتصر بهذه السرعة: فالجيش الذي صنع الانتصارات كان قابلًا للانقسام حين ضعف سند القائد في الخلافة.
— النهاية في فرغانة — بعد وفاة الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ، تولى الخلافة أخوه سليمان، وكان قتيبة قد جاهر سليمان بالخلاف لأنه كان من رجال الحجاج وكان يخشى عزله. وتروي الكتب أنه فكر في خلع سليمان، فاستشار قومه، فتخلى عنه كثير من الجند، وتخاصم مع قبيلة تميم، وكان رئيسها وكيع بن أبي سود التميمي. وفي ذي الحجة سنة 96هـ قتل في فرغانة مع جماعة من أهله، وحمل رأسه إلى سليمان. وتذكر الكتب أن الجند الذين قتلوه لم يكونوا يريدون الخروج على الدولة، وإنما كرهوا الخلاف بين المسلمين. والله أعلم بما في القلوب.
— في ميزان العلماء — يتفق المؤرخون على أن قتيبة كان من كبار الأمراء الفاتحين، وأنه فتح بلادًا كثيرة ودخل خلق في الإسلام في عهده، ويذكرون عليه شدته وتعلقه بالولاية وخلافه الأخير مع الخلافة. ولا ينبغي الجزم فيمن مات على سوء أو حسن، فنكل أمره إلى الله.
— تنبيه عام — معلوماتنا عن قتيبة تأتي أغلبها من الطبري (ت 310هـ)، وهو ينقل عن رواة كالمدائني وأبي مخنف، وهؤلاء بعيدون عن الحدث ويميل بعضهم لقبيلة على أخرى، فيجب التحفظ في الأرقام والحوارات. والثابت في الجملة أن قتيبة فتح بخارى وسمرقند وخوارزم والشاش وفرغانة، وقُتل سنة 96هـ.
