Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

شكوى أهل سمرقند: كيف قضى قاضٍ على جيش المسلمين بنبذ العهد

عمر بن عبد العزيز وجُميع بن حاضر الناجي

— سمرقند وصلح قتيبة — كانت سمرقند عاصمة الصغد وأعظم مدن بلاد ما وراء النهر، وفتحها قتيبة بن مسلم سنة 93هـ بعد حصار، على ما يذكره الطبري والبلاذري. وتتفق الروايات على أن الأمر انتهى بصلح بين قتيبة وأمير المدينة الذي يسمى غورك، على مال يؤديه أهلها وعلى شروط أخرى. ويذكر الطبري أن من الشروط أن يدخل قتيبة المدينة فيصلي في مسجد يبنيه ويضع عنده منبرًا ثم يخرج، وأن يخلو المدينة من المقاتلين الأتراك. والمصادر تختلف في تفاصيل الشروط وفي عدد المال والرقيق الذي اشترطه قتيبة، ولذلك نقتصر على الأصل المتفق عليه: صلح مشروط، ودخول المسلمين لأداء الصلاة.

— الشكوى — تروي المصادر المتقدمة، ومنها تاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري، أن أهل سمرقند شكوا بعد سنوات قليلة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي تولى الخلافة سنة 99هـ، أن قتيبة دخل مدينتهم وأقام فيها من المسلمين من بقي وسكن، وأن الصلح لم يُفِ على الوجه المتفق عليه، أو أن قتيبة غدر بهم فدخل بغير المراعاة التي قررها، فأخرجوا من منازلهم وأرضهم. وتختلف الروايات في صفة الشكوى: هل كانت وفدًا أم كتابًا؟ وهل قدّمها كاهنهم أو أعيانهم؟ ولكن الثابت في الجملة أنهم رفعوا أمرهم إلى الخليفة.

— كتاب عمر — لم يرسل عمر جيشًا ولا أصدر أمرًا بالانتقام، بل كتب إلى والي سمرقند، ويسميه الطبري سليمان بن أبي السري، أن ينصب لأهل سمرقند قاضيًا ينظر فيما ذكروا من الظلم، فإن قضى بإخراج المسلمين من المدينة أُخرجوا. فنصب الوالي قاضيًا هو جُميع بن حاضر الناجي، وقضى بما رأى حقًّا، وذكرت الروايات أنه حكم أن يخرج المسلمون إلى معسكرهم خارج المدينة، ويكون بينهم وبين أهلها نبذ للعهد على سواء، أي إعلام صريح بانتهاء الصلح، ثم إن شاءوا القتال فعلوا عن علم، وإن شاءوا الإقرار فعلوا. ولم يكن في الحكم أن قتيبة شخصيًّا حضر المحكمة أو حوكم، فقد كان قتيبة قُتل سنة 96هـ قبل خلافة عمر، وأما ما يتداوله بعضهم من مشهد القاضي يحاكم قتيبة فليس مما تثبته المصادر الأولى.

— رضا أهل سمرقند — يذكر الطبري أن أهل سمرقند لما رأوا هذا الحكم تراضوا بإقامة المسلمين وكرهوا الحرب، فأقروا على الصلح، وصاروا يعيشون مع المسلمين. وتفسير ذلك أن الذين عاشوا في ظل المسلمين رأوا في سلوكهم ما يطمئنهم ويفضل حال من كانوا تحت حكم الأمراء السابقين. ولكن من الباحثين من يرى أن هذه الصورة المثالية فيها تحسين من الرواة، ويقولون إن المصادر لا تفصل ما جرى بعد الحكم. ونحن نكتفي بما تذكره المصادر مع التنبيه إلى هذا الاحتمال.

— الأصل الشرعي — ما فعله عمر ليس غريبًا عن الشريعة، فهو تطبيق لأصل قرآني صريح في معاملة المعاهدين، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ﴾، فمن أراد إنهاء عهد فعليه أن يعلن ذلك ويعطي الطرف الآخر مهلة للاستعداد، لا أن يفاجئه. وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. وفي السنة الصحيحة قال النبي ﷺ: «لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به»، وهو حديث متفق عليه من رواية ابن عمر رضي الله عنهما. فالغدر محرم حتى في الحرب، والعهد مع الكافر المعاهد مُحترم.

— عمر بن عبد العزيز وفلسفة العدل — كان عمر معروفًا بأنه لا يقبل مظلمة، فقد ذكرت كتب السيرة أنه رد المظالم التي أخذها بنو أمية من الناس، وبدأ بأهل بيته، وأنه حرص على عدم ظلم الذميين. ويذكر العلماء أن سيرته جعلت العدل أساسًا للدولة، وأنه قال ما معناه إن الله بعث محمدًا ﷺ هاديًا ولم يبعثه جابيًا، وهو قول مشهور عنه في كتب السير. وتفهم قصة سمرقند في هذا السياق: لم يكن عمر يرى أن الفتح مبرر للظلم، ولا أن الأرض تُكسب بالغدر.

— ضعف الروايات والاختلاف — يجب التنبيه على أن تفاصيل هذه القصة كما تُروى اليوم في المحاضرات والمقالات فيها زيادات، مثل أسماء الحضور وحوار الكاهن وكلمات القاضي، وهي لا توجد في المصادر الأولى. والمصدر العمدة هو الطبري الذي يذكرها بإيجاز، والبلاذري كذلك. وبعض الباحثين المحدثين يشككون في صحة الحادثة كما ترويها المصادر، ويرون أنها ربما كانت تعبّر عن مثال العدل أكثر من كونها واقعة دقيقة. والذي نرجحه أن أصل القصة صحيح في الجملة، وهو شكوى أهل سمرقند وحكم القاضي، ولكن الحوارات المنقولة لا نعتمدها.

— سمرقند بعد ذلك — أصبحت سمرقند بعد قرون من أشهر حواضر العلم في الإسلام، وخرج منها أئمة، منهم الإمام الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن المعروفة بسنن الدارمي (ت 255هـ)، ومنها الإمام أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ). وهذا مثال على أن ثبات الإسلام في هذه البلاد لم يقم على السيف وحده، بل على العدل والتعليم ومخالطة الناس، وإن كان انتشار الإسلام فيها قد استغرق وقتًا طويلًا.

— ما تعلمنا القصة — أولًا أن الحاكم المسلم يخضع للقضاء، فقد نصب عمر قاضيًا ينظر في ظلم رجل من كبار القادة، وهذا أصل في استقلال القضاء. ثانيًا أن حق غير المسلم المعاهد محفوظ كحق المسلم. ثالثًا أن العدل يكسب القلوب أكثر من السيوف، فإن أهل سمرقند الذين كانوا يخشون الغدر رضوا بالبقاء. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ في سورة النحل.

العبرة

الحاكم المسلم يخضع لحكم القضاء، وحق المعاهد محفوظ كحق المسلم، والوفاء بالعهد أو نبذه على سواء أصل شرعي.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنة 93هـ وسنة 99-101هـ)، فتوح البلدان للبلاذري؛ والقرآن الكريم: سورة الأنفال (نبذ العهد على سواء)، سورة الإسراء (الوفاء بالعهد)، سورة النحل (الأمر بالعدل)؛ وحديث «لكل غادر لواء يوم القيامة» متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

الدرجة: أصل القصة (شكوى أهل سمرقند وقضاء القاضي بنبذ العهد ورضاهم بالإقامة) مذكور في تاريخ الطبري والبلاذري باختلاف في التفاصيل؛ والحوارات المتداولة ومشهد محاكمة قتيبة نفسه لا تثبت، وبعض المحدثين يشككون في الصورة المثالية.