Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عبد الملك بن مروان: تعريب الدواوين وسكّ الدينار وقبة الصخرة

عبد الملك بن مروان

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— دولة تبحث عن وحدتها — تولى عبد الملك بن مروان الخلافة سنة 65هـ في ظروف شديدة: ثورة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في الحجاز، وثورة المختار في العراق، وانقسام العرب إلى قبائل متنازعة. وتمكن عبد الملك بعد سنوات من القضاء على ابن الزبير سنة 73هـ على يد الحجاج بن يوسف، فاجتمعت الدولة تحت قيادته. وفي المدة التي تلت ذلك، بدأ بإصلاحات إدارية ومالية أثرها بقي قرونًا: تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية، وبناء قبة الصخرة.

— تعريب الدواوين — تذكر كتب التاريخ، ومنها فتوح البلدان للبلاذري ومقدمة ابن خلدون وتاريخ الطبري، أن الدواوين (أي سجلات الدولة المالية والإدارية) كانت بعد الفتح تكتب بلغات البلاد المفتوحة: بالفارسية في العراق وخراسان، وباليونانية في الشام، وبالقبطية واليونانية في مصر. وفي عهد عبد الملك نقلت إلى العربية. فيذكر البلاذري أن ديوان الشام نقل على يد سليمان بن سعد الخشني، وأن ديوان العراق نقله صالح بن عبد الرحمن في زمن الحجاج، سنة 78هـ تقريبًا. وتختلف الروايات في سنة التعريب وفي تفاصيله، وربما تدرّج الأمر على سنوات، وربما استمر استعمال اللغات الأخرى في بعض الأقاليم زمنًا بعده.

— الدينار والدرهم — قبل ذلك كان المسلمون يتعاملون بدنانير الروم الذهبية ودراهم الفرس الفضية، ومنها ما نقش عليه عبارات وصور غير إسلامية، واستمر ذلك عقودًا. وتذكر الكتب أن عبد الملك قرر سك عملة عربية إسلامية، وجعل الدينار عام 77هـ، وبدأ الحجاج بضرب الدراهم سنة 75 أو 79هـ على اختلاف الروايات. وقد كتب على النقود كلمات التوحيد، ومنها سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وعبارة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ومحمد رسول الله. وهذا أمر يمكن التحقق منه من النقود الباقية في المتاحف، وهو من الشواهد المادية القوية على التاريخ.

— القصة المشهورة عن الطراز — يروي بعض المؤرخين ومنهم البلاذري والمقريزي في شذور العقود أن سبب سك العملة أن عبد الملك قرأ في قرطاس (ورق بردي) مصري عبارة نصرانية باليونانية، فاستفسر عن معناها، أو أن ملك الروم هدد بكتابة شتم النبي ﷺ على الدنانير، فأشار عليه خالد بن يزيد بن معاوية بسك عملة جديدة. وهذه الحكاية متداولة جدًا، لكن مؤرخين كثيرين يرونها من الروايات الأدبية التي تضيف سببًا درامياً لحدث إداري مركب؛ فقد صكت عملة عربية بيزنطية الصورة قبل ذلك. فلا نقبل هذه الحكاية على أنها حقيقة تاريخية، بل نذكرها على أنها مشهورة ولم تثبت.

— قبة الصخرة — بنى عبد الملك قبة الصخرة في بيت المقدس سنة 72هـ (691-692م). وقد ذكر ابن عساكر وغيره أن المشرفين على بنائها هما رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام، وأنه أنفق عليها خراج مصر سبع سنين. وفي النقوش الباقية داخل القبة تاريخ البناء سنة 72هـ، وفيها آيات من القرآن الكريم فيها التوحيد وذكر عيسى عليه السلام عبدًا لله ورسوله، وفيها الصلاة على النبي ﷺ. ومن العجيب أن اسم عبد الملك في الإهداء قد استُبدل في العصر العباسي باسم المأمون، لكن التاريخ بقي 72هـ، فكان هذا من أدلة نسبة البناء إلى عبد الملك.

— الرواية الضعيفة في سبب البناء — ذكر اليعقوبي (وهو مؤرخ شيعي من القرن الثالث) أن عبد الملك بنى القبة ليصرف الناس عن الحج إلى مكة التي كان يسيطر عليها ابن الزبير، وأنه أمر الناس بالطواف بالصخرة. وهذه الرواية ضعيفة جدًّا، ولا يصح إسنادها، وقد رفضها أكثر المؤرخين المحققين، لأن القبة بنيت بعد مقتل ابن الزبير بسنوات، ولأن ظاهر النقوش أنها دعوة للتوحيد وإظهار لمكانة الإسلام في القدس. فلا ينبغي ذكر هذه الرواية على أنها حقيقة، وهي من الأخبار التي أراد أصحابها تشويه الأمويين.

— خلافه وشخصيته — من الأخبار المشهورة أن عبد الملك كان في صباه من العباد المجتهدين، حتى لقب حمامة المسجد، وأنه كان يقرأ القرآن حين بلغته الخلافة فأطبق المصحف وقال هذا فراق بيني وبينك. هذا الخبر مشهور في كتب التاريخ ومنها تاريخ ابن كثير، لكن لا يثبت بإسناد قوي. وفي المقابل، فقد ذكر العلماء أنه كان مع علمه وفقهه شديدًا في السياسة، وأنه ولى الحجاج وأطلق يده، وأن الحجاج سفك دماء كثيرة، وهذا مما يؤخذ على عهده. فالقول المتوازن: كان عبد الملك من أقدر خلفاء بني أمية وأعلمهم، وكانت له إنجازات إدارية كبيرة، وفي عهده أخطاء وتجاوزات.

— المسجد الأقصى والقبة — ينبغي التمييز بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فالمسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ في سورة الإسراء، هو المسجد كله، وأما قبة الصخرة فبناء مثمّن الشكل مغطى بالقبة، وليس هو المسجد المصلى. وينسب كثير من المؤرخين إلى عبد الملك وابنه الوليد بناء المسجد الأقصى المعروف اليوم بالجامع القِبلي، بينما تذكر الروايات أن أول مصلى أقامه المسلمون هناك كان في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد فتح بيت المقدس. وهذا التمييز مهم لئلا يخلط الناس بين المعلمين.

— الخط والنقط — ينسب إلى هذا العهد أيضًا العناية بنقط المصحف وإعجامه، فتذكر بعض الكتب أن الحجاج أمر علماء مثل نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بإعجام حروف المصحف لمنع اللحن، لكن تفاصيل الأمر مختلف فيها، وبعض الباحثين يرون أن بدايات الإعجام أقدم. فنذكر ذلك على سبيل الإجمال.

— تنبيه على المصادر — معظم ما ورد هنا يعتمد على البلاذري والطبري وابن كثير ومقدمة ابن خلدون، وعلى الشواهد المادية من النقود والنقوش. والروايات الأدبية عن سبب السك وسبب القبة وعن حمامة المسجد ينبغي أن تُروى مع التمريض.

العبرة

الدولة القوية تبني مؤسساتها بلغتها وعملتها وعمرانها، لكن الحكاية الأدبية المحببة قد لا تكون هي السبب الحقيقي، ويجب التفريق بين الشاهد المادي والرواية المنقولة.

المصدر: فتوح البلدان للبلاذري، تاريخ الطبري، البداية والنهاية لابن كثير، مقدمة ابن خلدون، شذور العقود في ذكر النقود للمقريزي، تاريخ اليعقوبي (للتنبيه على الرواية الضعيفة)، نقوش قبة الصخرة والنقود الأموية؛ والقرآن الكريم: سورة الإخلاص.

الدرجة: تعريب الدواوين وسك الدينار وبناء قبة الصخرة سنة 72هـ ثابتة بالنقوش والنقود وكتب التاريخ؛ وقصة سبب السك وقصة صرف الحج إلى القدس وخبر حمامة المسجد وإطباق المصحف مشهورة لكنها لم تثبت.