— بشارة النبي ﷺ ومدينة قيصر — منذ زمن النبي ﷺ والمسلمون يتطلعون إلى القسطنطينية، عاصمة الروم الشرقيين. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أم حرام رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم». وفي مسند الإمام أحمد من حديث بشر الخثعمي رضي الله عنه قوله ﷺ: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وقد حسّن إسناده بعض العلماء وضعفه آخرون، ولذلك نقول إن في ثبوته خلافًا بين أهل الحديث. وأما حديث البخاري فهو الصحيح المتفق على صحته، وهو يفيد فضل أول جيش يغزو المدينة، وسيأتي الكلام على أي جيش هو.
— المحاولات الأولى — ذكر المؤرخون أن معاوية رضي الله عنه جهز جيشًا إلى القسطنطينية في سنة 49 أو 50هـ أو 52هـ على اختلاف الروايات، بقيادة سفيان بن عوف، ثم أرسل ابنه يزيد، ومعه جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه. وقد توفي أبو أيوب في تلك الغزوة ودفن عند أسوار المدينة، كما روى ابن كثير وغيره، وتحدث بعضهم عن مدفنه وزيارة الناس له، ولا نقطع بتحديد القبر الموجود اليوم. وقد اختلف الشراح في تعيين الجيش المقصود بحديث البخاري، ورأى بعضهم، كما نقل ابن حجر عن المهلب، أنه ينطبق على جيش يزيد بن معاوية.
— الحصار الكبير سنة 98هـ — في سنة 96هـ تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة، وكان عازمًا على فتح القسطنطينية، فأمر بتجهيز أكبر حملة رآها المسلمون حتى ذلك الوقت. وكان قائد الجيش أخاه مسلمة بن عبد الملك، وهو من أبرز قادة بني أمية، قاد جيوشًا كثيرة. ويذكر المؤرخون أن الحملة جمعت جيشًا برًّا وأسطولًا كبيرًا، وتتفاوت أعدادها في الكتب بين مئة ألف وبين أقل من ذلك، والمصادر البيزنطية تتحدث عن أعداد ضخمة جدًّا، لكنها غير مضبوطة. وعبر الجيش من آسيا الصغرى إلى أوروبا قرب أبيدوس في مضيق الدردنيل، ثم حاصر المدينة في آب (أغسطس) سنة 717م، الموافق 98هـ.
— الإمبراطور ليو — كان الإمبراطور البيزنطي الذي حاصرته الجيوش هو ليو الثالث الإيسوري، الذي تولى الحكم في آذار سنة 717م قبيل الحصار، وكان قائدًا ذكيًّا وأعاد تنظيم الدفاع. وتفيد المصادر البيزنطية أن أسوار القسطنطينية الكبيرة (أسوار ثيودوسيوس) كانت ذات طبقات يصعب اختراقها، وأن للمدينة النار الإغريقية، وهي مادة حارقة تقذف من السفن فتحرق سفن الأعداء حتى على الماء. وهذا من أسباب فشل الأسطول الإسلامي.
— الشتاء والجوع — تجمع المصادر العربية والبيزنطية معًا على أن الشتاء الذي بدأ بعد الحصار كان قاسيًا جدًّا، وتتحدث الروايات البيزنطية (كتاب ثيوفانس) عن ثلج دام مئة يوم تقريبًا، وعن مرض وجوع في معسكر المسلمين، حتى إنهم أكلوا الخيل والجمال ثم أمورًا أخرى. ويجب الحذر من هذا الجزء الأخير لأن الوصف البيزنطي فيه مبالغة معادية. وتذكر المصادر العربية ما حاصله أن الجيش عانى من البرد والجوع ومن صعوبة وصول المدد. وهذا يتفق مع طبيعة حصار مدينة كبيرة من جهة البر والبحر بعيدًا عن القاعدة.
— وفاة سليمان وخلافة عمر — توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك سنة 99هـ (ربما في صفر)، وهو في دابق شمال الشام. وتولى الخلافة بعده عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فتغير الوضع. وتذكر المصادر العربية أن عمر أمر بسحب الجيش، وسار مسلمة في طريق العودة، وتعرض الأسطول لعاصفة في الطريق فغرق منه الكثير. وتذكر المصادر البيزنطية أن الحصار انتهى في 15 آب سنة 718م. ويختلف العلماء: هل أمر عمر بالانسحاب لسبب عسكري أم لأنه كان يرى أن الجيش استنزف؟ وليس عندنا نص قاطع.
— روايات بيزنطية عن خداع — يذكر ثيوفانس أن ليو خدع مسلمة بأنه يريد الاستسلام، فأمر المسلمين بحرق مؤنهم تمهيدًا للحصار، فزاد جوعهم. وهذه رواية بيزنطية ولا تذكرها المصادر العربية، فلا نقبلها إلا على أنها رواية الخصم. كما أن ما يقال في مصادر متأخرة من أن مسلمة بنى مسجدًا في القسطنطينية أثناء الحصار، وأنه أخذ الإذن من الإمبراطور لإقامته، لا يثبت، وبعض الباحثين يرون فيه تصورات متأخرة.
— الفتح الأخير — لم تسقط القسطنطينية في أيدي المسلمين إلا بعد قرون طويلة، في سنة 857هـ (1453م) على يد السلطان محمد الفاتح العثماني. وهذا يعني أن الحديث الذي يتناول فتحها صدق، لمن صححه من أهل العلم، لكنه لا ينطبق على حصار مسلمة. وليس لنا أن نحدد أي الجيوش يعنيها النبي ﷺ بعبارة «أول جيش» تحديدًا قاطعًا.
— قراءة المؤرخين لنتيجة الحصار — يرى كثير من المؤرخين أن فشل هذا الحصار كان من أهم الأسباب التي حدّت من توسع الدولة الأموية في آسيا الصغرى وأوروبا الشرقية، وأنه أعطى الدولة البيزنطية فرصة لتقوية نفسها وإصلاح أحوالها. ولا شك أن لهذا التقدير اجتهادًا من الباحثين، فقد تتغير الأحداث بعوامل كثيرة. لكن من المتفق عليه أن المسلمين استمروا بعد ذلك في الغزو الصائفة والشاتية للأراضي البيزنطية في آسيا الصغرى سنوات طويلة، وأن المدينة بقيت عصية على الفتح قرونًا.
— الدروس — أولًا أن الإعداد الكبير لا يضمن النصر إذا واجه خصمًا محصنًا وطبيعة قاسية، وأن القرآن يعلمنا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ في سورة الأنفال أن الإعداد واجب، مع التوكل. وثانيًا أن الخسائر لا تنفي أجر المجاهدين.
